ع ق ل

ع ق ل

ع ق ل

تــا (س2م)

 

 

الاستثناء في زمن العولمة لهامش كبير، يجد متعته في إضافة المزيد إلى ما هو مظلوم، و هذا ما جعل النواة تأخذ بالعوام، و المُقصى من البزوغ ناحية المجهول، فلن تقوم المزابل إلاّ بفضلات تنكّس على القيّمين حياتهم، كذلك هو التفكير، إذ أنّ العقول الجامدة تولّد نوعا من الفساد الفكري، و ذلك لاحتضانها مفاهيم تزيد من وتيرة الاعتراض على ما هو سليم، إلاّ ما جاءت به العناوين المتعارف عليها، و هنا نلزم العملية التفكيرية بالعملية الاعتراضية و الانفصالية. إذ السباحة في فضاء المشترك فيه، و استثناء الجيّد بذريعة المساواة، أو الاستعلاء بالألقاب على حساب السلامة الفكرية شيء قاس، في عملية الأخذ بالنتائج الظاهرة، فالتبني لفكرة ما على سبيل الحبّ فيها، أو لخدمة مسلك معيّن إنّما تجد فئتها على من يمتطون الحصان المعرفي الجاهز، بحجة أنّ المعرفة للجميع ظاهريا، بينما باطنيا تغوص الأنانية توغّل النار في الهشيم. صراع يجد لذته في السائل العذب للمعرفة النكرة و المختارة تعسفا، فالعقل البائس هو العقل الساذج سذاجة ارتمائه بين أحضان المكاسب الفكرية المتعارف عليها لا غير، فيفقده منصبه السامي الذي يؤرخ لما هو ثمين. فالإمساك بالصلابة المتعالية و إقصاء الناطق من الأفكار لقمة مرة في الحـرب الفكرية الدائرة بين العقول المُثبطة و المعقول المبدعة، إذ أنّ العقل الساذج يسترسل في طلب القوّة ليسيطر على العقول الأخرى بفتات الأفكار المستهلكة، بينما العقل المبدع لا يأبه بالفرد القائل بالفكرة بقدر اهتمامه و بحثه في الفكرة بحدّ ذاتها، في نوعيتها و مرجعيتها و حججها، إضافة إلى مدى حدود تأثرها بمحيطها و تأثيرها على المعرفة و الأخذ بها، و هنا يبرز الفرق جليا بين العقليْن المستقليْن جوهريا إضافة إلى الاختلاف العلمي و الجمالي في الآن ذاته.

فمن الأكيد أنّ الرحمة موجودة في كلّ قلوب البشر، لكن بنسب متفاوتة، فالموجود هو خاضع للنسبية، و هذا ما جعل القوى تسخر في غير محلها أحيانا، إذ الشعور ليس كالتظاهر به، بل القهر على طريقة الإجحاف إنما تأخذها لا حبّا فيها، و إنما هي لغة تتلوّن بألوان كثيرة و صافية في اللحظة نفسها، سواء كانت مزاجية أم عنصرية أو غير ذلك، لكنها تبقى واضحة، ملموسة، ليس لها من الضرر إلا كثير القليل، ما دامت تتجسد على توزع الصفات و الحروف النفسية. و لعل هذا يجعلني أشير إلى أمريْن، الأوّل هو حقيقة تاريخية يتجاهلها البعض و يجهلها البعض الآخر، و هي أنّه لم يحدث أن سكنت الحقيقة الحيّة في قصر الصراحة، فقد كان الجيل القديم من الحقائق يقطن في شقة عادية في أحد المباني المقابلة للصفاء الحقيقي، كان يطلق عليه "الثامنة"، أصبح اليوم مقرا لأحد الرحماء، أمّا الحقيقة الثابتة فقد سكنت أوّلا في مبنى متواضع كان جزء من ثكنة عسكرية في شارع الرموز الصالحة، خلف العهد القديم لوزارة العلوم، ثمّ انتقلت إلى بيت صغير كان ملحقا برئاسة العالم، أمّا الأمر الثاني فهو رأيٌّ شخصي، مضمونه أنّ عودة الصراحة للاستعمال الرسمي، و لو بصورة جزئية، هو ضرورة لاسترجاع هيبة الإنسان، و مهما كانت روعة قصر السفسطة، فإنه يظلّ قصرا للسفسطة، و مهما كانت تجهيزات المراوغة، فإنه يظل فندقا فخما، و يظل قصر الصراحة هو رمز سيادة الإنسان. و بالنسبة للأمر الأوّل، فلعلي استدرك و أضيف بأنّ الحقيقة نامت في قصر الصراحة ثلاثة أيــام، كانت فيها مسجاة دون حراك في تابوت خشبيٍّ، و من قصر الصراحة، رمز القوة الروحية النزيهة، خرج جثمان الحق إلى مقره الأخير، في مقبرة العظماء، التي أريد لها أن تخرج تماما من ذاكرة الجماهير، لولا أنّ الله يمهل و لا يهمل.

يوم تشييع الجنازة الصاخبة، تحمّل العاملون في قصر الصراحة، خاصة رجال الشرف و رجال الضمير العالي القيمة، و بالتعاون مع مصالح أخرى في القوة و المعنوية و الشخصية الكاريزمية، عبئا يفوق طاقة البشر لتنظيم استقبال العدد الكبير من رؤساء القيم، و كبار المبادئ، الذين قدموا للمشاركة في تشييع الجنازة، تعبيرا عن تقديرهم للحقيقة الثابتة و المثبتة من قبل الأحرار و للشعوب الحرة و للقائمين على حرية الحرية. هنا أتذكر شيئا آخر، فعشية يوم الجنازة توجهت رفقة الصدق، مدير الشرفاء آنذاك، إلى مقبرة العظماء للاطلاع على الاستعدادات الأخيرة للدفن، و لاحظت و الشمس تتأهب للمغيب، أمرا بدا لي غريبا، فقد كان اتجاه قبر العفة عكس اتجاه القبلة، و صارحت الصدق بذلك، ففوجئ به، و سألني إذا كنت متأكدا مما أقول، خاصة و أنني لست متخصصا في القضايا الفقهية، و لكنني تمسكت برأيي كعادتي، و لأن أسلوب العمل كان أساسه الثقة المتبادلة بين أعضاء المجموعة. أعطى الصدق التعليمات على الفور لتغيير اتجاه الدفن، و ما زال اتجاه قبر العفة و قبور الذين دفنوا قبل الحق كما كان، في حين أن قبر الثابت من الحقائق و كل من دفنوا بعده يوجد في الاتجاه الصحيح، أي نحو القبلة.

     كان العالم يخضع للحكم الأناني، و أثر فيه هذا الحكم الرجعي، الذي تمسّك بأنظمة العصور الفاسدة، فسادته الفوضى، و الجمود الفكري، و التأخر الحضاري. و في أوائل العصر الجديد بدأ يستيقظ من سباته، و ظهرت بوادر الحركة القومية النفسية في بلاد الأعراف. فكان لهذه الحركة تأثيرا كبيرا في تحريك الجمود، و تنبيه العقول المبدعة إلى أخطار سياسة اللامبالاة، و الحث على المطالبة بالحقوق و الإصلاحات اللازمة للمعتقدات، و بعد ذلك على الراغبين في التغيير نحو الأحسن، و تحت رعاية اللامركزية، اتخاذ القرارات التي تدور كلها حول تطبيق محاكاة المطلق من المستحبات. فهذا هو الضامن الموثوق به جدا، و إلا عادة الأمور إلى نقطة اللاعودة، و جالت الخواطر بمكتسبات الظلام المهيمن على سيرة الأفراد، فينتج الألم الذي يوسم بالحلاوة المتعجرفة. و لعله من المفيد هنا أن يعلم كل من لديه حياة في أي جزء من كيانه، أن دروس الأيام و قيم المعاني المختلفة تشكل رابطا متكاملا يلقي ضوءا فاحصا على حركة المسار الإنساني في كل عصر، في حين أن بنية كل درس على حدة تقوم على أساس مخطط تتصدره الحكمة، ثم تفصيل عناصر هذا المخطط في نص المبرهن عنه، و تجميع هذه المعلومات يكوّن ضوءا واضحا في شكل خلاصة تنتظم فيها العلامات الروحية البارزة في الحكمة، يري كل هذا أسئلة يراد بأكثرها أن تحفز التدقيق و الفحص إضافة إلى المقارنة ثم الحكم حكما واعيا. و كان من باب الفائدة عدم الأخذ بالتسليم المطلق على أنه الخلاص الساعي إليه. إنها عجلة تدور لكنها لا تتوقف، تسحق خصومها، و تحرر من يدخلون بكرتها عنوة و يكسرون مقاومتها الشرسة، لها أسماء كثيرة و مع ذلك هي موجودة و ليس هناك مؤشرات على تلاشيها عند لحظة قريبة زمنيا.

فمن عُرض عليه الحب فلا يرده، فإنه خفيف المحمل طيّب الريح. هكذا يتبادل بني الإنسان إهداء مقومات البقاء، ولا يقبل الضمير بديلا عن قبولها.

فراقبوا مطلع كل سنة الذي يمثل موعد ظهورها، و تعودوا على السير في طريق سماحتها، فإنه لا يرد النور إلا متعطش للوحشة و السقم.

فالدنيا لا تسموا على أحد، فيها النقيض و الضد و العامل بهما، و ما علينا إلا أن نعطي للأشياء نسبها التي تستحقها و لو بالتقريب.

   

السيد: مـــزوار محمد سعيد              

Commenting now closed

Make a free website with emyspot.com - Report abuse