ياسينية النسيان و مزواريته

ياسينية النسيان و مــزواريته

 

   

 

أثناء تفحصنا لمقال الأخ الفاضل ياسين الشيخ المعنون بـ"لماذا نمارس لعبة النسيان؟"، لُفتت نباهتنا إلى عدّة أسئلة جديّة و جادة، في قوله: "...لماذا نمارس لعبة النسيان؟ هل يمكن لرياح الزمن أن تذروا آثارنا على رمال الزمن؟ هل يمكن أن نتجاهل كل تلك الآثار؟ هل عند التفاتتنا نجدها تنادي بأسمائنا؟...".

بحيث وردت هذه الأسئلة في بداية افتتاحية مقال الأخ ياسين، و أتبعها بأسئلة أخرى متفرقة بين أسطر العرض في نفس الموضوع بقوله: "...هل هذا حقا ما نحن عليه، أطياف تجول هنا و هناك لا تعرف من أي درب من دروب الحياة تسلك؟ ... لماذا لا نكتب و نقول كفى و نقول لماذا؟ ... هل نحن ننسى أم نتناسى؟ ... ماذا لو هتلر مازال حيا و استطاع الهرب من الحلفاء؟ ... لماذا دفنا ذلك الماضي في قبور لا يعلمها إلاّ المجهول؟ ... ".

و عليه و انطلاقا من فكرة تبادل الأفكار قصد بعث الأمّة من جديد، ارتأينا أن نشارك و لو بالقليل في هذا المجال ابتداء بالتعبير عن خالص التقدير و الاحترام لكاتب المقال المذكور سابقا، الأخ ياسين الشيخ الذي نتمنى له النجاح و السداد، و انتهاء بتثمين الأفكار المستقاة من أسطر المقال القيّم حقا.

لماذا نمارس لعبة النسيان؟

إنّ التعمق في ألفاظ هذا الاستفهام سيقودنا إلى محاولة ضبط المصطلحات، فكلمة نسيان التي تعتبر مفتاح هذا السؤال، تعرف لغة من نسى، ينسى و ناسي و في الأخير نسيان، أمّا اصطلاحا فهي عملية فقدان معلومات من الذاكرة البشرية للأشخاص، بمرور الوقت لا إراديا، وفق التقلبات التي تخضع لها الطبيعة الإنسانية.

و منه فإنّ النسيان هو عملية لا شعورية تسيطر على الإنسان عشوائيا، فالفرد ليس مسئولا عن أشياء أو تصرفات نسي أهميتها، أو أهمية القيام بها تحت تأثير عوامل خارجة عن سيطرة البشر. و عليه يمكننا الوصول إلى وضع علامة استفهام حول مدى جدوى سؤال الأخ ياسين، بحيث أنّه وضع النسيان في مجال المتحَكم به، أي أنه حصر النسيان الذي هو في الحقيقة غير محصور، و قيّد عملية أصلها حرية الجوهر، و استقلالية التملك لعقول بني الإنسان.

هل يمكن لرياح الزمن أن تذروا آثارنا على رمال الزمن؟

إن جعلنا الزمن قلبا، فإننا و بطريقة حتمية سنجعله يضخ دم الحياة التي لا يمكن أن تُنسى حتى و لو تبدّل العمران، و جارت الدنيا على أصحابها. فقصص الزمن طويلة لا تسعها أقراص تخزين العلوم، و لا الفلسفة في حدّ ذاتها. فما دام هذا الزمن يذكر الأشرار و الأخيار، فهو لا يمكن أن يتجاهل أيّام العرب. فهذه الأخيرة بمثابة النخيل التي تنتصب في وجه العواصف الرملية الهوجاء، و ليست بآثار تزول بنفخ الأفواه، و هنا أدعوا صديقي ياسين أن يعيد النظر في صفحات القدماء من العظماء، و كيف حجز العرب مقاعدهم الدائمة بين العمالقة، فالإنسان عدوّ ما يجهل.

هل عند التفاتتنا نجدها تنادي بأسمائنا؟

إنّك و بتطرقك لهذه النقطة بالذات يا صديقي و زميلي، تكون قد وضعت يدك على جرح كبريائي، و أيقظت في أعماقي حلمي الذي كاد ماء العراقيل يطفئ ناره الحامية، فالماضي لا يُبقي إلاّ على أسماء نماذج بشرية بعينها في دائرة الترتيل و التمجيد. فكم عاشوا و ماتوا، و لكن ذُكر منهم القليل.و ما السبيل لدخول هذه الدائرة الشريفة و بلوغ الخلود إنّما العمل، و الإيمان بفاعليته فكما قال المَثَلُ الصيني: "العمل لا يقتل ، بينما الهموم تفعل.". و لكن هذا العمل يجب أن يُسبق بالعِلم قبل كلّ شيء، فشتان بين عامل عالم و عامل جاهل.

هل هذا حقا ما نحن عليه، أطياف لا تدري من أيّ درب من دروب الحياة تسلك؟

حقيقة مرّة يجب أن لا نتجاهلها، إننا اليوم شعب محروم من الإنسانية و معانيها، محروم من المستقبل، محروم من الحق في الحلم و التعبير و الاختيار، و ما علينا إلاّ مواجهة هذه التحديات و نحن محاصرين بغزو الشرق، و قبضة الغرب، و المفرّ مجهول، فقتلنا الحياة و سبحنا في دمائها بسعادة التعاسة، محوّلين لقيط الفكر إلى شريف الأصالة. و للخروج من هذا، ما علينا إلاّ التمسك بحبل الأمل في الأمل، الواصل بين ارتياح و جشع الذات العربية.

هل نحن ننسى أم نتناسى؟

و هذا يعيدنا إلى التأمل في الألفاظ، بحيث أنّ التناسي هو استبدال معلومات من الذاكرة البشرية، تُبدي لصاحبها وجوب التخلص منها، وفق آلية إدخال مكانها أحداثا محببة التمسك بها، أيّ أنها عملية استبدال السلب بالإيجاب، و هي عملية قصدية، تأخذ فيها الإرادة الإنسانية النصيب العظيم.

و عليه فإن ألصقنا صفة التناسي بالفرد، فإننا نقترب من الصواب على ناحية مكيال القدرة على فعل ذلك، أو المشاركة فيه و التمهيد له.

ماذا لو استطاع هتلر الهروب من الحلفاء؟

لزعيم النازية قيمة معنوية أهلته لكسب ولاء الألمان قبل قلوبهم، و لأهمية الشخصية المتحَدَث عنها، التي يصنفها علماء النفس كشخصية رمزية، أو كما يصنفها ماكس فيبر، كشخصية كاريزمية، لا يمكن لهتلر حتى التفكير في الفرار، و من يدرس سيرة الهورفر عن قرب، يلمس مدى صدق هذا الطرح، فأدولف هتلر لم يكن كاريزميا فحسب بل تعدى ذلك إلى الهوس بالعظمة، و النرجسية المفرطة، و هذا ما انعكس عليه في ثواني حياته الأخيرة من اضطراب، و ولّد قرار حرق جثته الشنيع و الشجاع في الوقت نفسه.

لماذا دفنا ذلك الماضي في قبور لا يعلمها إلاّ المجهول؟

من واجبنا دفن موتانا، و الماضي ميّت في نظرنا، لأننا لا يمكننا تغييره، كالميّت الذي لا يسعنا إلاّ الدعاء له و الوقوف أمام قبره مبدين له الاحترام، كذلك الماضي، دفناه و بقية قصصه و رواياته و ذكرياته. فلابد من تجاوزه لنصنع المستقبل، و نعيد للحياة حياتها، و هنا أسمح لنفسي بسؤالك يا أخي ياسين، ما الفائدة من البكاء على زمن مضى؟ أو على الأحرى: أليس هذا الفعل كنواح عاشقة فقدت حبيبها في إحدى المعارك قتيلا؟؟؟.

Commenting now closed

Make a free website with emyspot.com - Report abuse