الكائن المقدس

هدوء الكائن المقدّس

 

التلميذ: مــزوار محمد سعيد

 

يقول الأستاذ مونيس بخضرة:

"أوقفوا صور الماضي و قيدوا مجانينه في علب الصخر، و انفضوا براغيث الجلود حتى يعود اللاشيء من الأشياء، فأتوب و أطلب الغفران، لن أعود إلى مملكة النساء، و لن أزرع أزهار الخروع، و لن أحفر آبار الصحراء، و لا أنزع أسنان الفك السفلى من فم كبير شيوخنا.....فيعرف أنّه على سطح الأرض مخبئا في أعماق الكون.".

الحشر: شذرات الحزن الأخير _مجلة الجزائر نيوز_16/11/2009.

 

نبحث دائما عن الهدوء نحن بني البشر، فننظر إلى هدوء الشجر، و الحجر، و نغار منهم. نراهم يتنعمون بهدوئهم و سكينتهم، بينما نحن ننعم ببؤسنا، و شقائنا. خاصة عندما ندرك أنّ الحجر لا يُضغط عليه، و لا يعيش حياتنا المتقلبة. إنها عجائب الزمن، و غرائب الكون، التي نحاول فهمها.

فما هو الهدوء؟ و ما سبيل الكائنات المقدّسة لبلوغه و تجسيد استمراريته؟

إنّ الهدوء لغة: من هدء، يهدأ، و هادئ، فمهدِئ، فهدوء. و اصطلاحا: هو صورة انطباعية سليمة، تسكن ذهن الراغب فيها، و الملصق إيّاها بالمحيط، الذي هو جزء منه، و مبتعدا عن كلّ ما يزعج، أو يعكر صفو التناغم، المراد، و الحاصل، في ذات الزمان، و المكان، و الطريقة التعبيرية، عن ذلك المرغوب فيه، من البداية، و حتى النهاية.

فالهدوء بهذا المعنى ليس ابطالا للحركة، و إنما هو رتابة الحركة، و انسجامها مع سرعتها، و اتجاهها، و القوة المؤثرة فيها، على نطاق الأجسام، و الجسيمات، اضافة إلى التفاعلات المقننة و السلسة.

كما أنّ الهدوء قد يُفهم على أنه تلك الراحة العميقة، و الوقتية و التي يسعى الانسان إلى جعلها دائمة، تحت طائلة أي ظرف. مما جعل هذا الهدف صعب التحقيق، وفق طبيعة الانسان المتغيّرة، و المتبدلة فزيائيا، و بيولوجيا. و لكنها منفصلة التبديل احساسيا، و شعوريا. كما أنّ هذا مستقل عن جوهر العقل، و روافده، فينتج عن هذا كلّه صعوبة في وعي التغيّر عقليا، و تكييفه شعوريا، قبل تقبله بيولوجيا، و فزيائيا. على طريق  التجاوب مما ولّد انعدام الهدوء بأبعاده المختلفة.

كما أنّ البشريّ الهادئ: هو ذلك الفرد الذي لا يغضب كثيرا، كما أنّه قليل الصراخ، و ابداء العنف، اضافة إلى قلّة الهيجان من طرفه. فإن تحدث لا يعال في صوته، و إذا فكر لا يغال في تفكيره ،أو عمله. و من هنا تأخذ صفة الهدوء معانيها الانسانية الصافية.

و لصفاء الهدوء سعى المخلوق المقدّس إلى بلوغه، و توقيع بقائه، ما بقي نفس المخلوق على أرضية الدنيا. فسخر في سبيله كلّ ما يملك من علم، و معرفة، و عمل، و تفكير، و ما إلى ذلك من جهد، و وقت، و محاولات. فراح الانسان يشطب أطرافا من الحياة، لينعم بأطرافها المتبقية في سكينة و هدوء، كما أنّ ذات الانسان أخذ يمشي في طريق التجديد، و التطوير، للحصول على رفاهية، تُعكس هدوءً على مشاعره و أحاسيسه. قصد الوصول إلى الابتعاد على الضغوطات، و المشاكل، التي قد تحيد بمسار الهدوء، على سكة العيش الراقي.

إنّ حلم بلوغ الهدوء جعل البشر يغزوا الغابات، و يصارع الحيوانات المفترسة. و حفّز بعضهم لاكتشاف الفضاء، و تحدي المجهول، كما جعل البعض الآخر يعذب النفس ليكبح جماحها، و يغديها بالمعتقدات، و الطقوس، لبلوغ الهدوء الأسمى، و الأعم.

و لولا خاصية حب السيطرة، و التفوّق، التي تعتبر من أساسات أهداف الانسان، لسعى هذا الكائن المقدس إلى تجسيد الهدوء بانعزاله، و تجرّده من مجتمعه، الذي يلعب دور المادة الغذائية الفاسدة، و التي تسقم سعادة الحياة الهادئة.

إنه عدوّ التقلب المفاجئ، و التغيّر الذي يأتي دون سابق انذار. لكنه في الوقت ذاته ينبذ التخطيط المطابق للأيام. مما جعل الكثيرين يلهثون وراء الموت الضامن لهدوء الروح و الجسد الدائم، و الغير قابل للانحراف، و التحريف. بين أحضان مملكة السماء بقوانينها، التي لا تُخرق برضا و قناعة الجميع.

   

  

 

mezouar_s@yahoo.fr

صبرة، تـلمسان، الجزائر.

 

 

Commenting now closed

Make a free website with emyspot.com - Report abuse