تغيير العالم

مـــا فائدة الإنسان إنْ لم يغيّر العالم!؟

   

أرسطو هو "المعلم الأوّل"، لقب منح له باحترام و بيان جميع الفلاسفة، فقد وضع نسقا فلسفيا خالصا و خاليا من الخطاب المثالي، و كان منهجه واضحا، كما أنّه اصطنع لفلسفته علما أسماه بالمنطق، مما جعل أرسطو أشبه بالرصاصة التي خرجت من العصر ما قبل الميلاد و أصابتنا في العصر الحالي.

فقد ولد أرسطو في مدينة استاغيرا سنة 385 ق م، و كان متميّزا منذ الطفولة بأخلاقه و سلوكه ودهائه العلمي، كما أنّه التحق بأكاديمية أفلاطون في الثامنة عشرة من عمره، أين لفت أنظار زملائه في الأكاديمية إلى درجة لقبوه بـ"القارئ" و لقبه أفلاطون بـــ"عقل أثنا". عندما بلغ 24 سنة جمع أرسطو أكثر من 1400 دستور من الامبراطوريات الشرقية القديمة، و حقق فيها، و قارن بينها مستخلصا نتائج عظيمة في كتاب "دستور الأثنيين" ، و عند اشتهار صيته في اليونان و ما جورها، استدعاه ملك مقدونيا لكي يدرس ابنه الكسندر، فبهذه الخطوة التي أقدم عليها الملك المقدوني استعان بها الكثير من الباحثين ليربطوا بين علم أرسطو و انجازات الكسندر الأكبر، كما أنّ أرسطو قد أخذ العلم عن أفلاطون، و بعد وفاة هذا الخير و تولي فنيكسس مقاليد أمور الأكاديمية، هجرها أرسطو مؤسسا بذلك أكاديميته الخاصة و التي أسماها بــــ"اللسيوم" مشاركا أستاذه أفلاطون في صنع مجد البشرية.

و قد التحق باللسيوم طلبة كثر كان يدرسهم أرسطو وهو يمشي حتى سميت فلسفته بــ"الفلسفة المشائية"، و بالإضافة إلى هذا فقد كتب أرسطو في المنطق كتاب "الأبولاس"، و كتاب "القضايا" و كتاب "المنطق الكبير"، إلاّ أنّ أرسطو نفسه توفي و لم يكمل تأليف كتاب "المنطق الكبير" حتى أتى تلميذه "بوبوريوس" و أضافإليه القياس.

كما أنّ المعلم الأوّل كتب في الطبيعة "السماع الطبيعي" اضافة إلى كتاب "الميتافيزيقا"، و كتب في الجمال كتاب "فن الخطابة"، و كتب في الشعر أيضا. و نجد في تصفحنا لفكر هذا العملاق المعرفي مؤلفات أخرى لا تقل أهمية ككتابه "فساد الكون" الذي ترجمه عميد فلاسفة الأندلس ابن رشد رحمه الله إلى كتاب "الفساد"، و كتاب في السياسة.

و قد عالج أرسطو مفاهيم عدّة كمفهوم الدراما و التراجيديا و المسرح، و عمد إلى استحداث مناهج استقرائية كان أهمها:

  1. المنهج النقدي التحليلي: و يدرس فلسفة عصره و فلسفة أستاذه أفلاطون.

  2. المنهج الوصفي: و قد وظفه أرسطو في وصف الفلسفات و وصف فلسفته الخاصة.

  3. المنهج البنائي: و استعمله أرسطو في بناء نسقه الفلسفي.

و لو تأملنا في فلسفة أرسطو جيّدا لحتما سنجدها قد جاءت كبديل عن فلسفة أفلاطون المثالية. فلو لم يكن أفلاطون لما كان أرسطو، فانزعاج هذا الأخير من أستاذه أثناء تلقيه لدروسه منه هو الذي كان بمثابة الحافز المؤدي إلى التفكير في البديل عن فلسفة أفلاطون، فظهرت فلسفة أرسطو لكي تضع حدا قاطعا لهيمنة السفسطائية آنذاك، و قد نجحت في بلوغ هذا المبتغى بجدارة و استحقاق بفضل ميزان العلوم، و قد وضح أرسطو هذا الـزمن الجميل في كتابه "المغالطات" الذي قضى على مجد السفسطائيين إلى الأبد. و بهذا يكون أرسطو قد نجح في تحقيق ما عجز عنه سقراط و أفلاطون بفلسفة أساسها نقد أفلاطون مما يجوز لنا طرح السؤال التالي:

كـــيف يجرأ أرسطو على نقد أفلاطون؟

و عليه فقد وجد أرسطو أنّ أفلاطون قد أخطأ عندما قسّم العالم إلى عالميْن، عالم الحس و عالم المُثُلْ، و قال: "أفلاطون قسّم الحقيقة إلى حقيقتيـْن"، وقد أخفق بوصل العالميْن ببعضهما البعض، و هنا يمكننا طرح ما يلي:

ما دور الديالكتيك في كل هذا؟

و للإجابة عن هذا الاستفهام يمكننا التنبيه إلى أنّ أرسطو لم يقتنع بالديالكتيك، و قال بخرافية عالم المُثُل، و اعتبره مجرد ملجأ و هروب من الواقع المعاش.

هذه النتيجة كانت كردّ فعل عن زمن طويل رضع خلاله ارسطو من ثدي الفلسفة الأفلاطونية كثيرا إلى أن أتت هذه اللحظة التي تمثّل لحظة القيء بعد الشبع، أين اختلف أرسطو و أفلاطون حول نظرية الوجود، ففي نظر المعلم الأوّل أستاذه فرّ من الوجود، و صنع لنفسه وجودا غير موجود، و هذا الوجود له فلسفته الخاصة به، و بالتالي أفلاطون تفلسف حول شيء غير موجود، أي إنّ هذه الفلسفة العظيمة هي هروب من الحقيقة.

فحسب أرسطو الأجدر بنا أن ننظر في العالم الحسي و ليس عالم المُثُل الغير موجود، حيث قال ارسطو: "الحقيقة هي مخبأة بين الموجودات، الحقيقة هي هنا و ليست هناك.". و قال أيضا: "القضية توجد هنا على الأرض و ما عليها من موجودات.". و وضح هذه الفكرة عقل أثنا في قوله: "عالم الطبيعة بما يحتويه من موجودات حتى من الديدان التي تنخر الميّت تخضع لأربعة علل ... و ترابط العلل يوصلنا إلى العلة الأولى التي هي علة العلل ... فالله محرك و غير متحرك ... و القدرة الالهية تعمل وفق نظام سلسلة العلل في الكون، و البشر عاجزون عن الفهم ... ".

فحسب قول أرسطو الله هو الذي يحرك الكون ونحن نشعر فقط بما يظهر في الحس، نحن نتعامل مع الظاهر لا غير.

و لتوضيح المغزى من هذا قسّم أرسطو العلل إلى أربعة هي:

  1.              I.            العلة المادية: كالخشب بالنسبة لأيّ شجرة.

  2.           II.            العلة الصورية: كالشجرة بالنسبة للخشب.

  3.       III.            العلة الفاعلة: كل ما هو موجود في الطبيعة له فعل.

  4.       IV.            العلة الغائية: كل ما هو موجود له غاية و هدف من وجوده.

فحسب أرسطو فإنّ كل ما هو موجود في الطبيعة هو كائن فزيائي و ميتافيزيقي في الوقت نفسه، أي أنّ الصورة الفزيائية هي التصرفات الانسانية مثلا و الصورة الميتافيزيقية هي الطبع و التفكير و الاعتقاد، بحيث أنّ عالم الميتافيزيقي يسكن ما وراء الفيزيقي.

و من هنا فإنّ تدرج العلل يفضي في الأخير إلى الوصول إلى الغاية النهائية، و عند بلوغها من قبل الانسان، فإنه يحاول الاستقالة من هذا العالم، أين لا يبالي بشخصه، و يصبح بائسا، و هنا يمكننا القول أنّ الحياة البشرية مرهونة بالمادة و الصورة معا، فإنْ تكاملا يحلّ موعد العَدَم و الموت.

كما أننا نجد في جعبة انجازات أرسطو "علم المنطق" الذي يفضي إلى حقائق هامة جدّا فهو آلة العلوم عند أرسطو، لأنه لا يعطينا العلم كالفيزياء و الرياضيات، أي أنه مجرد طريقة لتحصيل صدق العلوم، و هنا نجد أنّ المنطق هو منهج في إنتاج الفكر و العلم، و مساعد العقل للعثور على الصواب، و تجنب الخطأ، و قد وافق أرسطو في هذه النقطة الامام الغزالي بقوله: "من لا منطق له لا يؤخذ بعلمه ... ". كما أنّ الامام الغزالي سمى المنطق الأرسطي في مؤلفاته بميزان العلوم، و منه نجد السؤال التالـي:

هل هذه هي وظيفة المنطق الوحيدة؟

يمكننا توضيح هذه البصمة بالقول أنّ للمنطق عدّة وضائف أسماها الوظيفة الكونية بالإضافة إلى وظيفة أبستمولوجية تتمثل في بيان صدق العلوم، و وظيفة أنطولوجية تتمثل في فهم العلاقات الموجودة بين العلل الأربعة.

فالمنطق هو الذي يشرح علاقة النفس بالجسم، كما أنّ أشكال الحياة هي عبارة عن صور لجوهر لا يُعرف إلاّ بالمنطق، و الذي يمكننا أيضا من ادراك أنّ الطيور نوع من الحيوان، و به ندرك أنّ الانسان هو حيوان كذلك، فبإحدى العمليات المنطقية البسيطة نستنتج أنّ الانسان يتميّز بخاصية العقل، و الطيور لها الريش كخاصية، و كلّهم يخرجون من الجنس الحيواني كمفهوم كلّي.

فبالمنطق نستطيع ربط الكليات بالجزئيات، و به نختصر العالم و الوجود، بحيث أنّ مستخدم المنطق يعوّض الأشياء بمفاهيم عقلية كالاستنتاج و القياس، و التي تعتبر الترسانة التقنية الخالصة و النقية، البعيدة عن هفوات الحسية المغالطة.

كما أنّ أرسطو تطرق إلى النفس على أنّها القوّة التي توظف المادة في تحقيق صورتها و منه غايتها، فالقوّة هي وسيلة المادة إلى غايتها النهائية، و النفس أنواع على حسب أرسطو:

  1. النفس النباتية

  2. النفس الحيوانية

  3. النفس العاقلة وهي أفضل النفوس.

و هذا التصنيف مرتبط بثلاث قوى:

  1. قوة المخيّلة

  2. قوة الذاكرة

  3. قوة التعقل

فالإنسان في فكر أرسطو هو حيوان مدنيّ بطبعه، أي أنّه كائن اجتماعيّ مهذب عن طريق الأخلاق. فبها يحدث الانسجام في المجتمع للوصول إلى سيادة الفضيلة و العدالة و الخير المطلق، فهمرس يقول: "الإنسان خيّر و ليس شرير.".

في الأخير فإن أصاب أرسطو فله أجران، و إن أخطأ فله أجر بما صنعت يداه و صدّقه فكره. و منه علينا نحن أبناء هذا العصر الجديد أن نقف بإجلال أمام هذا الاسم المرتل بإتقان، و الذي يعتبر إحدى أوراق خريف الذاكرة التي لا تتناسى، و لا تنسى أبناءها العظام.

 

Commenting now closed

Make a free website with emyspot.com - Report abuse