اسكوبيتا الفلسفة

 

اسكوبيتا الفلسفة

 

التلميذ: مــزوار محمد سعيد

 

"إن الفلسفة لا ينكر فائدتها إلا جاهل أو معاند أو كلاهما، إلا أنك إذا أردت أن تفهمها حق الفهم، فلا بد من معرفة آراء الأقدمين، إذ الفلسفة كالمرء يكون طفلا ... ثم يصير كهلا و هو شخص واحد، كالسلسلة كل حلقة منها ارتبطت بالأخرى.

فمن لم يقف على أقوال القدماء لا يتمكن من استنباط آراء المعاصرين.".

دافيد سانتلانا

"المذاهب الفلسفية اليونانية في العالم الإسلامي"

تحقيق وتقديم _ جلال شرف

 

الفلسفة، كلمة واحدة ذات معاني عديدة، أحيانا تكون نوعا من التفكير، و أحيانا تكون نوعا من البحث، و أحيانا أخرى تكون علم بالمبادئ و غيرها من التعريفات التي اختلفت باختلاف الفلاسفة و المؤرخين.

هذا الاختلاف بدا واضحا خلال تطور الإنسان، و منذ تفلسفه لأول مرة، لكن ما نلمسه من خلال تطور الفلسفة هو ذلك الاختلاف الذي امتد ليشمل جميع ما يحيط بها، و أحيانا كان يضربها في الصميم.

فقد اختلف حولها العلماء و الحكماء و رجال الدين والسياسيين وحتى العامة من الناس بين محب لها وعامل بها وناقم عليها و مكفر للعامل بها و غيرها من الأفكار و الاعتقادات، و قد جالت شكوك كثيرة و من أطراف متنوعة حول مواضيعها و أهميتها و تأثيرها على البشر و محيطه و مستقبله.

 

 

و هنا نجد السؤال الذي يطرح نفسه بناء على ما تقدم في الموضوع:

 

هل للفلسفة فائدة؟ أو على الأحرى أين تكمن حاجتنا للفلسفة؟ أو بطريقة أخرى ما الذي بجعلنا نتفلسف؟

 

 إن فوائد الفلسفة على الإنسان لا حصر لها فهي كشجرة الزيتون التي تذر على الإنسان زيتونا صافيا في موسمه وظلالا وافرة أثناء الحر ونفاياتها عبارة عن زيت فيها شفاء لمستعمليها كذلك الفلسفة, فهي تجعل الإنسان ينظر إلى ماضيه واضعا إياه تحت المجهر ليستخلص معانيه وعبره و أخطائه وهفواته و ليمكنه من عيش حاضره والتخطيط للمستقبل الذي يحلم به هذا الإنسان في نومه ويقظته. فإن أعظم فائدة مرجوة من الفلسفة حين نقوم بها هي رصد المجهول القادم و الإعداد له من مخلفات الماضي،و باعتبارنا الإنسان محاربا، فالفلسفة تأخذ ماضيه لتجعل منه درعا لحاضره ثم تعمد إلى أخذ حاضره لتجعله سيفا في يده لمستقبله، و هنا يتبين لنا أن الإنسان يملك كنزا ثمينا يكمن في أقوال و حكمة القدامى، التي تعبر عن نتائج تجاربهم خلال حياتهم في عصور مضت، و إن على إنسان اليوم أن يأخذ جواهر هذا الكنز القديم من نصائح و معلومات، و يبدأ بتحليلها و التدقيق فيها من كل الزوايا، و ترشيحها، فيأخذ ما هو صائب و صالح لمقامه و آماله، و يترك كل ما هو سيء و مضر بأهدافه، ليتمكن بهذا المخزون المعرفي القديم أنيستنتج و يولد مخزونا معرفيا حديثا، عصريا، فإن رأي الإنسان القديم مرآة تعكس رأي الإنسان الحديث.

و ما يؤكد هذه النظرة ما يلي:

1) إذا أخذنا تعريف أفلاطون للفلسفة:" الفلسفة هي البحث في جواهر الأشياء حينما يتدرج العقل في البحث في الانسجام الوجودي بينها، والذي هو ليس إلا الخير." فإننا نجد تلك الفائدة العظيمة التي سعى أفلاطون إلى نشرها بين البشرية جمعاء حين نجح في تعميمها بين أوساط الشعب الأثيني آنذاك، ألا و هي فائدة الأخلاق و العلم و البحث عن المعرفة من جميع جوانبها، و هنا تكمن قيمة الفلسفة في معناها الصافي، فالنظر إلى فلسفة أفلاطون المثالية التي علمت البشرية طرق الخير ومفاتيحه، من علم و أخلاق و مبادئ، يؤكد لنا أن القدامى لميتفلسفوا لتنوير أنفسهم فقط، بل لنقل ذلك النور أو جزء منه إلينا و عليه تكمن مهمتنا المتمثلة في نقل تلك المعارف و النتائج و الوقائع و النور إلى الأجيال القادمة.

 

2)إن الفلسفة كما نعرفها اليوم، لم توجد على هذا النحو دفعة واحدة، فقد تطورت بتطور الفكر الإنساني، و زادت بزيادة بحثه عن رفاهيته و تقدمه، و يتضح هذا التطور جليا عبر التاريخ الفلسفي، فإن أخذنا الفترة اليونانية، فإننا نجد أن فلسفة سقراط أسست لفلسفة أفلاطون، فتلميذ سقراط ورث عن معلمه قاعدة فلسفية متينة ليبني عليها فلسفته، ثم يورثها لتلميذه أرسطو الذي جعل من فلسفة أفلاطون مركز انطلاق لفلسفته التي أضاءت عقول كثيرين أشهرهم ألكسندر الأكبر. فالفلسفة بهذا المعنى كالعلوم الحديثة التي تبني نتائجها انطلاقا من القوانين السابقة،و من هنا و بالاعتماد على النظرية العكسية فبإمكاننا القول أن لولا فلسفة سقراط لما كانت انجازات الكسندر الأكبر، فهذا الأخير هو حفيد سقراط فلسفيا و هذا أكبر دليل على تطور الفلسفة و تطويرها للإنسان معرفيا و ثقافيا و سياسيا.

 

3)و إذا نظرنا إلى التاريخ البشري الحضاري فإننا نجد الحضارة تقوم على أنقاض حضارة سبقتها و هذه السلسلة الحضارية ملازمة للسلسلة المعرفية الفلسفية فنجد الحضارات الصينية و الهندية تمهد لقيام الحضارة الفارسية والمصرية الفرعونية, وهذه الأخيرة تمهد بدورها لقيام الحضارة اليونانية و الرومانية ثم تأتي على أنقاضهما الحضارة الجرمانية التي هي في نظر هيجل آخر الحضارات ومنه يتضح لنا أهمية الفلسفة بكونها عنصر متجدد بتجدد الرقي و الازدهار. فكل موروث حضاري فلسفي ينهار ليفصح الطريق لفلسفة جديدة تؤسس لحضارة الغد.

 

وما يؤخذ على هذه النظرة ما يلي:

 

إن نظرنا في الحضارات السابقة فإننا نجد كل منها في قطيعة مع الأخرى, فإن افترضنا أن الحضارة الصينية و الهندية أسست للحضارة الفارسية و المصرية القديمة لترابطهما بالفكر الأسطوري اللاهوتي فهذا ينفي تماما أن تؤسس الحضارة الفارسية و الفرعونية المصرية لحضارة اليونان, فالأولى قائمة على الأسطورة و الثانية قائمة على العقل وهما ضدان لا يلتقيان, أما بالنسبة لنظرية تطور الفلسفة من سقراط وأفلاطون وأرسطو وصولا إلى ألكسندر الأكبر فهذا اقرب إلى المستحيل منه إلى الحقيقة, فلكل واحد منهم زمانه الذي عاشه بظروفه ووضعياته التي انعكست على أفكاره وبالتالي على فلسفته, فكيف لفلسفة سقراط التي اعتبرت العالم الحسي سجنا كبيرا للروح التي مقرها الأصلي هو العالم الآخر أن تؤسس لإنجازات الكسندر الأكبر الدنيوية العظيمة من انتصارات عسكرية وسياسية, وإن نظرنا إلى آراء أفلاطون حول الفلسفة فإن هذا الرأي صالح لفترته المتميزة والمختلفة عن فترتنا الزمنية الراهنة فلا يمكن لنا أن نلتزم بأفكار ولدت قبل الميلاد أين كان المجتمع الإنساني همه الوحيد الحرية الفكرية و العقلية في النظر إلى الظواهر المختلفة, وهذا كله يأخذنا إلى النظر بحذر كبير من القائلين بفوائد الفلسفة, والتي حصروها في التطور والتكامل والاستمرارية.

 

وما نخلص إليه هو أن الفلسفة بالنسبة للإنسان كالسيارة التي تسير على طريق مستقبله الجبلي الوعر مسهلة له النظر إلى ماضيه بمراياها العاكسة.

 

صبرة، تـلمسان، الجزائر.

 

 

 

 

Commenting now closed

Make a free website with emyspot.com - Report abuse