محرك آخـر الأحـرار

محرك آخـر الأحـرار

 

محرك آخـر الأحـرار

 

0213mmmmmmmmmmm.jpg

في لحظة يضيع الإدراك، و تجول الأذهان بأسقام الزمان، تلك الثانية التي تعود للاشيء من الترهات، أين تتجلى المأساة، و يتساوى البشر تحت عصى الجلاّد، إنها الحائرة بين النهاية و البداية، و إن اختلف حولها مدركوها، إلاّ أنها ما تزال باقية، قابعة تحت المجهول، الذي ينفض عن ريشه غبار الإقصاء، لقصرها تمرّ غير آبه بها، و لثقلها تأخذ من النفس القدر العظيم، توسم بالمعوّذات، و تـُعطر بالمجاملات، لكنها تبقى كما هي، لا ضجر الوقت ينال منها، و لا هي تنفع ذاك الشاهد على مرورها، سواء كانت قيـّمة أم تافهة، فلا أحد يجد فيها مبتغاه بقدر ما تجد فيهم مبتغاها، فيا لعيب الضمير، و رداءة الحواس، التي تنساب وراء دعاية الزيف و هشاشة المناهج، لتتوصل إلى الحقيقة في الحد الأعلى و نتيجة في الحد الأدنى. إنّ العودة إلى نقطة إدعاء الأكبر مما هو ملموس، لهي لحظة حيرة بين الإنسان ككيان، و الفناء الفكـري كإشكال، حين يصرخ العقم، و يولد الإنتاج، فيظهر السكون و تتعالى المادّة على أنـّها الخلاص، و يظهر الفرق بين الكـم و الكـيف. فينساق الفكر ناحية الجدل، و تأخذ اللغة عباءة الأغاليط و أخطاء شفرات المعنى الثمانية، بينما يتميّز الـرمز على أنّه ملك الصدق و المصداقية، فتكره الصورة الهياكل، و تصبح لقيطة في عالم المعرفة، بينما حقيقتها أخلاقية، تدلّ على عراقة التنظيم، و حق الأخذ بما هو سليم، أيــن ينعكس الفكر على ذاته الجوفاء، و يصوّر الثقافة الشعبية على أنها حفرة من حفر الاعتزاز الكاذب، فالأم أضاعت أطفالها بين مفاهيم المفاخرة، و الاتصال إلى جانب الانفصال، فكلّ هذا يدور في بيولوجية الحس الهارب من حقيقة المواجهة المتكافئة، هو مولود من رحم القوانين، فيصبح الجزء عنوانا للكل، كالماء الذي هو على اختلاف مصدره مكوناته واحدة، و عليه نعتمد القوام المعتدل في التجربة لضبط الأمور، و يُـبجل العلم رغبة في الدقة و الإصابة السديدة، إنها التائهات بين المراجع و الأمانات، صراع يوقد المحسوس و يلعن المثالية، فينطبع الواقع في الذهن، أين يبدوا المفهوم كالذي ليس له موطئا في الطبيعة، و التذكـر يلعب دور المُـدرب في هذه المواجهة، فتـُـقام الأخلاق من الاكتساب، و يتدخل الاعتداء أين ينتج النفع و الضرر، و تـُـجعل النسبية مرصدا لما هو معروف، و المُطلق يصبح مجالا للبحث تحت راية العقل، فتعود المعطيات إلى نصابها، و تختل المقاييس في طريق انهيار التقدم. فالتغيير وجهه النفس و شواربه دماء، إضافة إلى التضحية للوصول إلى المنشود. فلا محال من مراقبة الفكر، و هو يدخل إلى دورته العادية الخلاّقة، و هنا يأتي دور النقد المُؤسس على ما بدا أساسا وجب اعتماده مُنطلقا، فالفحص النقدي للمبادئ يذهب بعيدا في شكه حتى يوصل المبدأ بالمنهج، و يساوي بينهما في الدراسة والتحليل، و هذا يعطي برمّته للمتأمّل مجالا مضبوطا لصورة تأخذ جانبين، الأوّل أكثر خصوصية، و الثاني أكثر علمية، بالإضافة إلى وصلهما هما أيضا بالخلطات المبنية على الفلسفة الخالصة، و المصاغة في قوالب الأخطاء المُصَحَحَة، على المنحى المتخذ من السعي إلى الصحيح موردا للبقاء ضمن بساط المنظور إليه. إنّ عامل الوقت يجد متعته في التغيير الذي يبعث على التساؤل و طرح السؤال، بحيث يجعل من هذا الأخير ضرورة حتمية لبلوغ فهم الواقع انطلاقا من الفكر، بل أن يردّ هذه العملية إلى عكسها في حالة عدم ولوج الاستعذاب، فإن كان يتوجب على الضرورة ادعاء الصحيح، فإنّ ذلك يؤثر على الثوابت و التي قد تجد الفرصة في التحرّك قصد ضمان مكان لها في بيت المنظومة الفكرية الأساسية، و هذا ما جعل الفكر يجدد حيرته فيما يعلم و فيما يجهل على حدّ سواء، خاصة فيما يتعلق بالوقائع و الحقائق الحادثة. إنّ تجنس الفكر عائد إلى عدم تركه يأخذ قيمته الحقيقية، و تقديره حق قدره، و هذا ما جعل الأفكار تتدرج على هيئات مختلفة، بنسب معينة من أجل بلوغ ملموس مجهول و غير دقيق، وهذا ما يعكس الانحياز إلى النقيض أو هجره إن لزم ذلك، على سبيل اتخاذ الصيغ من المعاني حججا للوصول إلى المبتغى المرفوض مبدئيا. إنّ ما يصاغ من مقاطع يشغل الفكر دون أن يشغّل التفكير، و هذا ما يجمد العقل، و يتخذ من الصرامة المشوّهة طريقا لقضم الأساس الذي أطلق العملية كلّها، هذا ما هو معروف أين أكـّـد نجاحه على المستوى الحقيقي لجمود العقول العربية الجديدة. إنّ من الهيّن إدراك أنّ الأفكار العربية في الزمن الجديد، تأخذ مسلك الانقياد، كون هذا العقل وجد نفسه أمام مخلفات الماهيات الحقيقية، فانشغل في تدبر الظل عوضا من الجسم الموجود، و عليه فإنّ معظم النتائج المتوصل إليها من قبل العرب الجدد، هي عناوين قتلت بإعمال للتبصر، لدرجة أنها أصبحت رثة غير قابلة للتجديد أو الترميم، أي أننا هنا و في هذه الحالة الخاصة، نقف أمام وضع فكـريّ لم يزاول جميع مراحل التفكير، و إنما انطلق من البداية ليصل إلى النهاية دون أن يتخلص من نهاية البداية و لا بداية النهاية. فكر مضطرب لا يمكنه القبول بالإصلاح المفاجئ، أو التغيير الذاتي، و الذي يُفرض عليه تعسفا، كونه مغيّب إلى حد ما، مما يتطلب إعادة النظر في نقاط انطلاق العملية التفكيرية الأساسية عند المفكـرين الجدد من العرب" ... فالمعرفة عملية تاريخية تمضي في تطوّرها عبر درجات من اللامعرفة إلى المعرفة..."[1]

السيد: مــزوار محمد سعيد

 

 



[1] ألكسندر ماكوفلسكي، تاريخ علم المنطق، تر.إبراهيم فتحي و نديم علاء الدين، دار الفارابي، بيروت – لبنـان، ص8.

Commenting now closed

Make a free website with emyspot.com - Report abuse