ثقافة الأيام

خبرة السنين و ثقافة الأيام

خبرة السنين و ثقافة الأيام

     

إنّ التقييم كمقوم للقيم يبدوا للوهلة الأولى عنوان فخر، يجذب لكل فلسفة أطرافها، فتختل الموازين، و تختلف الآراء حول الواحد الذي ينتج العديد من الأشكال، و التي تأخذ صورا كثيرة يوما ما، إنها حال البشر، يختلفون على الاتفاق، و غير ذلك من التطويرات التي تبعث على التصورات المتنوعة، قصد ولوج العام، و التستر بظله الفاضل، و إلا بدا الأمر نشوزا وجب تخطيه، إنها منمقات العالم الذي يجمّل الرسوب بمساحيق الجهل بالاختلاف، فمن خبايا العالم أن وجد الإنسان، و وجدت الصدامات، و هذا ما يدعوا إلى التساؤل: ماذا عن لغة الحرب؟

 إنّ العيش في تراكيب مندمجة تحت لواء واحد يُفرض فرضا، من الصعب في مكان تحقيقه، و إن محاولة بعث الروح في جسد ولد مريضا لمن السذاجة إدخاله دائرة البحث و التفتيش، لكن تبقى المحاولة مشروعة ما دامت تبقى في إطار المحاولة لا غير، فإنّ عدّة الصراع لجوهرية في تحرّك الأفكار بسيارة الهجوم، و مقود الدفاع بين الفينة و الأخرى في مدينة شاسعة تسمى الحياة، فالحي ليس حيّ الحركة أو التنفس بقدر ما هو حيّ برؤيته القابلة للتبني، فالأمّة التي لا تصبر على أهل الفكر أمّة بلغت من الانحطاط الاجتماعي مبلغ عدم العودة للمنهج الصحيح و الناجح، و سبيل ذلك هو البديل الغير مجدي في كثير من الأوقات، بل و تتطور إلى هدف حتميّ الانجاز، فسبب إقرار الصدام و محاورة الظلم من باب الاستغناء عن حقائق مبرهن عليها، لهو قمة الذاتية الراجية للسيادة و السيطرة، و إنّ الإقصاء لأجل الإقصاء لهو عصب التمرد الفكري، و دليل ذلك وجهة الأخطار التي تعنّت التوجه، حتى و لو كان هذا الاتجاه مرفوض منطقيا، فما دام يخدم مصالح معيّنة بطريقة ما، فهو عميق صادق حسب المتوجه لإبراز فعالياته على الأرض، رغم رفضه من هذا الواقع أصلا. هذا الذي جعل الصواب بين مطرقة التبجح و الغلو، و سندان التفتح اللانهائي و الذي قد يأخذ المنعطف الخطير في مجالات الغير عدمية التفكير، و على ما يجدّ في مسار العرس العلمي، و منطق الشعوب المختلف باختلاف الثقافات المتشعبة، فإنّ الحرب الفكرية مازالت تحتدم على أكثر من صعيد، و هذا قد يرضي إلى حد ما الجزء المهم من الأطراف المسيطرة، لكنه يظل بعيدا كلّ البعد عن تحقيق نجاح يحتمل أن يسود في يوم من الأيام، ذلك لأنّ أدوات الصراع الجديدة وجدت من يرعاها، و الأدهى من هذا و ذاك، أنّها وجدت أرضية تحرك خيوطها بسلاسة باتجاه مرغوب فيه، دون تلقي خسائر مهما بلغت حدتها، حتى أنّ المتغيرات أصبحت تأخذ وقتا طويلا للفهم، فما بال الاستيعاب و الهضم، و من بين الأساليب القيّمة و الجدية، أسلوب الغموض المُتحكم فيه. إنها طرائق أكّـدت سيطرتها في التحكم من الخلف، تقيم الأهازيج، و تدير المعارك، بالإضافة إلى حصد النتائج الصافية من جهة و تتفادى الضربات أو الإزعاج على أكثر الاحتمالات تشاؤما من جهة أخرى، إنها لغة العالم الجديدة، و التي فرضت نفسها تعسفا على من بدو ضعفاء في هذا المجال الواسع، فقد تحوّل القويّ هنا من مفهوم الفاعل القادر، إلى التدليل على مدلول المدير الشاطر، بينما احتفظ لنفسه بالأهداف التي أعلنت في غابر الأزمان، فأزمات العالم المتنامية هي ذات أصول علمية محضة، بل إننا لن نذهب بعيدا إن نحن وصفناها بالأزمة الحتمية العميقة، إنّ الانزلاقات الفكرية المتعصبة، و التي اتخذت من القوى المهيمنة سبيلا للترسيخ، لهو مكمن الخطر الذي يهدد الإنسانية، فقد نجد الفكر الهامشي يبني لنفسه موقعا، و لو بالكلمات التعجبية الاستفزازية، أو المراوغة القائمة على كسب الوقت، و الاستعداد للانقضاض على البقايا الذهنية، فأسلوب التحطيم لبلوغ الهيمنة السريعة و السهلة، على عقول بعينها لهي طريقة رخيصة و خسيسة تنمّ على حجم خبث صاحبها فتجاوزها الزمن، لكننا نشهد تجديد نهجها تحت طائلة مسميات عصرية، و بوجوه مجملة تخفي وراءها ظلمات الآبار العميقة.

إنّ الفكر حرّ، و حرية هذا الأخير فكرة تبنى كما تبنى الأمم، و على المفكرين من العرب الجدد أن يدافعوا عنها، و يقفوا في وجوه القوى الجديدة، قصد إدراك الحفاظ على الركائز المتبقية.

 

فكما جاء على لسان نيتشه: "لا يكفي لطالب الحقيقة أن يكون مخلصا في قصده، بل عليه أن يترصد إخلاصه و يقف موقف المشكك فيه، لأنّ عاشق الحقيقة إنما يحبها لا لنفسه مجاراة لأهوائه بل يهيم بها لذاتها....".[1]  

 

السيد: مــزوار محمد سعيد                 36932-142833722398200-142175862463986-449897-339157-n-1-1.jpg



[1] هكذا تكلم زرادشت، فريدريك نيتشه، ترجمة فليكس فارس، الإسكندرية – مطبعة جريدة البصير 1938 ص: 11.

Commenting now closed

Make a free website with emyspot.com - Report abuse