عربية الفكر الجواني

عربية الفكر الجواني
 
التلميذ: مــزوار محمد سعيد
 
لو تأملنا في الفكر العربي عبر تاريخه الحافل بالتذبذب صعودا و نزولا، لوجدنا أن هناك عدّة دلالات تؤرخ لهذا العملاق، الذي يحرك أمة تختلف في كل شيء، و تتفرع ألوانها مشكلة أشكال مدهشة. وكل هذا ضمن عملية آلية، خفية، يشارك فيها العام و الخاص، و تتصادم فيها المرجعيات و الاديولوجيات، و الاتجاهات، إضافة إلى الطرائق المتبعة و المتحكمة بسريان التجارب المختلفة.
و لو عدنا إلى ما مضى لوجدنا الفكر العربي في جاهليته فكرا متفوقا، فبينما كان العجم يتخبطون في تيه الاضطرابات التكوينية، و الغرب يصارع الأسطورة، و الشرق يعذب الذات و النفس، كان العرب ينتجون ثروة هائلة، من السياسات التي جعلت مكة المكرمة تتسيّد عصرها، و هي الملتقى و المعبر لكل ثقافات الأرض آنذاك.
فكثير من المهتمين يعتبرون أنّ الفكر العربي في تلك الحقبة سادته الشكلية و الوصفية، و لكن أغفلوا أو تغافلوا أنّ لكل عصر لغته، فكيف للعربي أن يتحدث لغة المضمون، و هو يعيش لغة الشكل، و الطبيعة في حدها الأقصى؟؟
و قد أجادها بامتياز فأصبح العربي فصيحا فصاحة لا مثيل لها إلى يومنا هذا، جعلته يأتي بعد كتاب الله المعجز، و سنة نبيه عليه الصلاة و السلام. و رغم هذا فقد تجاوز هذا الفكر لسان الشكل، و بدأ يتحول تدريجيا إلى المضمون، في جدليات و أطروحات، كانت جديدة على الشعوب آنذاك. ملقيا بأعبائه الزائدة على التدبر في الوحي الإلهي، و الذي أعتبر الإبرة التي حثت الوعي العربي على الصراخ، فانطلق الذهن العربي إبداعا، و تشكيلا. خالصا إلى جلسات فكرية لافتة، بخواصه و عوامه. و مقدما للبشرية مثالية لم يدركها لا أفلاطون، و لا تلميذته من بعده في عصورهم الذهبية. بل و أكثر من هذا، فقد بدأ هذا الفكر الذي نعت بالشكلية، و الحسية المقيّدة لأنامل التحضر، يزرع بذور العلم و المعرفة في كل الاتجاهات مرفقا العلم بالسيف، و الشوك بالورد، مع ازدهار الدولتيْن الأموية و العباسية، و جانب من الدولة العثمانية.
و لو نظرنا إلى حركة التاريخ بصدق، لوجدنا أنّ الفكر العربي تموقع في أغلب فترات حياته في خندق الممانعة، و المقاومة، مما جعل منه فكرا مستهدفا قبل أن يحوّل هذا الفكر الاستهداف إلى هدف، في حركة عجيبة منه قلب السحر على الساحر، فكان إما فكرا مبدعا في مخابر غربية، أو فكرا مؤسسا في بلاد عربية، و لكن ضمن نطاق الظل الساتر.
بكل بساطة إنه ذكاء العربي الذي جعل من نفسه سيّدا إلى يومنا هذا، بفكره الخلاّق القادر على استيعاب معطيات الحاضر، فالعربي لا يعمل فقد ترك العمل للشرق مستعبدهم بماله، و لا يفكّر فقد ترك الفكر للغرب، و هو يجني فقط نتائج الفكر و إرهاصاته، كملك مبجل، أجل عربي اليوم ملك مبجل، يتحكم في كل أمور عصره، و لكن من وراء الستار، فهو يأخذ الفكر عن الغرب، و يطرحه في الميدان ليستهلكه الشرق، و ما عليه إلاّ أن يجني ثمار زواج الغرب بالشرق ليكون العربي عرّابا لمولودهما بماله و ثرواته و سلطانه، لكن كل هذا في الخفاء. مما جعل البعض ينخدع و يهزء من قدرة العربي، و ينظرون إليه على أنه عبد بينما هو سيّد بمظهر عبد، فإن جعلنا فكر الغرب مبنيّ على التأمل، و الذي قاده إلى ثورات عظيمة في العلم و التقنية، و فلسفة الفلسفات، و التي مزجت بين عمق الماضي، و تجديد الحاضر، وسفر الوجدان ناحية المستقبل الذي يدّعي نفس الغرب معرفة أجزاء من تفاصيله، أو التنبؤ بمظاهره، و التحكم بها، بواسطة استراتيجياته المختلفة، و المتكونة بين أروقة القصور الغربية كواشنطن و برلين.
و إن جعلنا الفكر الشرقي مبنيّ على الحركة و الخفة و النشاط، و التي جعلته آلة من آلات الزمن و اختراعاته، ينجز الأعاجيب بأرخص الأثمان، و يوفر الوقت بالجهد، و قد عمل في ماضيه، و يعمل في حاضره و سيعمل في مستقبله، و فاصلا الروح عن الجسد.
فإنّ بين هواء الغرب، و تسونامي الشرق، أبراج العرب الشاهقة الشامخة، أي بين هواء الشرق، و أكسجين الغرب، رئتيْن عربيتيْن.
فالفكر العربي، و إن شئنا أو أبيْنا فهو قائم بين فكريْن مختلفيْن تماما، مما ولّد تلك التركيبة المستنسخة عن الجهتيْن، الشرقية بحركتها، و الغربية بقوتها، و لكن يبقى الفكر العربي متميّزا عن الشرق و الغرب بذلك الذكاء القابع وراء الستار، و الذي دفع بالهجمات المتكررة عليه إلى الارتداد على أعقابها.
فإنّ للعربي فكرا ذكيا متميّزا جعل من الأمة العربية تتسيّد، لكن دون دفع ضريبة سيادتها، إنه فكر يأخذ من كل فكر ما يحتاج إليه ليصنع منه ما يريد. و إن صح التعبير، فإن الفكر العربي كالطباخ الذي يستخدم في عملية طبخه كل ما يلزم لتقديم وجبة لذيذة.
إنه فكر خالص مجمّل بالحسية التي لابد منها، و متمسك بالمثالية التي تمثل الانتماء و العراقة. فليس المخطئ من يعتبر الحسية العربية هي إحدى قيود الفكر العربي، و ليس المخطئ الذي يعتبر المثالية هي من يقيّده بخرافاتها، و لكنّ المخطئ كلّ الخطأ من يظنّ أنّ الفكر العربيّ لا يَعِي قيوده، و لا يسعى للتحرر منها.
فكما قال جمال الدين الأفغاني مجملا خصائص الفكر العربي: "لقد جمعت ما تفرق من الفكر، و نظرت إلى الشرق و أهله، فاستوقفني الأفغان، و هي أول أرض مس جسمي ترابها، ثمّ الهند، و فيها تثقف عقلي، فإيران بحكم الجوار و الروابط، فجزيرة العرب من حجاز هي مهبط الوحي، و من يَمَنٍ و سعادتها، و نجد، و العراق، و بغداد و هارونها و مأمونها، و الشام و دهاة الأمويين فيها، و هكذا كل صقع و دولة من دول الإسلام و ما آل إليه أمرهم.........".[1]
صبرة، تـلمسان، الجزائر.
.                                                                                 .
    [1]تاريخ العرب الحديث و العالم، مجموعة مؤلفين، المعهد التربوي الوطني-الجزائر، ص51.
 

Commenting now closed

Make a free website with emyspot.com - Report abuse