عاصفة الأنوار

عاصفة الأنوار
 

 
يسمى عصر الأنوار بعصر الاستنارة أو عصر طلوع النهار أو عصر الإفصاح، فيقال عند العرب أفصح اللبن أي صار صافيا أو لبنا فصيحا بعد إبعاد الرغوة عنه. و يقال أيضا السماء زرقاء بعد زوال الغيوم أو الضباب عنها.
بحيث يرتبط هذا العصر بالقرن 18، الذي عرف تطورا كبيرا من الناحية العلمية و الفكرية خاصة. و يعتبر هذا العصر ثورة فكرية ضد العصر الإقطاعي. فالمجتمعات الغربية ناهضت الفكر اللاهوتي الكنسي، و ظهر في هذا الوقت جماعة من الفلاسفة أطلق عليهم اسم فلاسفة الأنوار، دافعوا عن مفاهيم و مقولات فلسفية و اجتماعية، منها الحرية و المساواة و العدالة و الأخوة، و المفهوم البارز الذي أصبح شعارا لهؤلاء الفلاسفة وهو: مفهوم التقدم. و من أعلام هذا العصر و فلاسفته: مونتسكيو صاحب كتاب "روح الشرائع" و الموسوعيون منهم: ديدرو القائل: "الثورة يخطط لها العلماء، و ينفذها المجانين، و يستفيد منها الجبناء" ، لوسو، فولكير، امنويل كانط و جون لوك.
الثورة الفرنسية و الثورة الصناعية
يرى كثير من علماء الاجتماع أنّ علم الاجتماع هو وليد الثورتيْن، الثورة الفرنسية و هي ثورة سياسية و عسكرية، و الثورة الصناعية التي هي ثورة اقتصادية، و الذين ساهموا في تفجير الثورة الفرنسية سنة 1788م هم فلاسفة الأنوار، الذين حددوا التوجه الإيديولوجي لهذه الثورة، حيث حملت شعار الأخوّة، المساواة، الحرية.
قال كارل ماكس: " إنّ الفلاسفة لا يخرجون من الأرض كخروج النباتات الفطرية، بل إنهم عصارة عصرهم...". و قد قام بتفجير هذه الثورة عسكريا الطبقة البرجوازية بالتحالف مع العمال، في مواجهة رجال الدين و النبلاء. و يعدّ نجاح هذه الثورة، و انتصارها في هدم النظام الكنسي الإقطاعي.
بدأ التفكير في بناء مجتمع جديد يقوم على الحرية و المساواة و العدالة، و طرحت مشكلة "السلطة"، أي من يحكم المجتمع من جديد، فاعتقد سان سيمون أنّ السلطة تكون بيد المنتجين التكنقراطيين، و اعتقد أغست كونت أنّ السلطة تكون بيد الوضعيين، و ذهب دوركايم للقول بأنّ السلطة ستكون للمربين.
التحقيقات الميدانية
إنّ التحالف الذي تمّ بين الطبقة البرجوازية و الطبقة العاملة لم يتم طويلا، حيث استولت البرجوازية على السلطة، و ظلت الطبقة العاملة تعاني من ظروف مادية و اجتماعية مزرية، و نتيجة ازدياد عددها، و خاصة بسبب نزوحها من الأرياف إلى المدن يبحثا عن العمل، أصبحت تمثل طبقة قوية و خطيرة في نفس الوقت، خاصة إذا أصبح وعيها بذاتها كقوة لها القدرة على الثورة و الإطاحة بالطبقة البرجوازية، فالتحقيقات الميدانية كانت لغرض دراسة الطبقة العاملة، و لتفادي هذه الخطورة قام جماعة من الباحثين من علماء اقتصاد، و مؤرخين و أطباء ... دون أن يكونوا علماء اجتماع محترفون في مجال السوسيولوجيا بتحقيقات ميدانية استهدفت أسر و عائلات الطبقة العاملة، لمعاينة ظروفها المادية و الاجتماعية، و لتقديم المساعدات لها. و من أشهر هؤلاء المحققين الميدانيين: فيلاني عالم الاقتصاد الفرنسي، و لوبلاي مكتشف و واضع منهج دراسة الحالة، و هو منهج يدرس الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية للنظم و الوحدات الاجتماعية (أسرة، مصنع، جمعية)، فكشف عن الفقر و المعاناة المادية التي تعيشها أسر و عائلات الطبقة العاملة. بينما عالم الاقتصاد لوبلاي اكتفى بالقول بأنّ الطبقة العاملة تعيش أحسن ما كانت عليه من قبل، و على العموم فإنّ هذه التحقيقات الميدانية كانت تخدم مصالح الطبقة السائدة، و هي الطبقة البرجوازية.
إنّ هذه التحقيقات الميدانية التي كان موضوعها الطبقة العاملة لم تكن حكرا على مفكرين برجوازيين، بل كانت موضوعا أيضا في غاية الأهمية لمفكرين ماركسيين، و للبرهنة على ذلك قام انغايس فريدريك بمصنع مانشستر ببريطانيا بتحقيق ميداني، و اكتشف أنّ هناك طبقة جديدة لا تملك سوى قوة عملها، و هي الطبقة العاملة، و طبقة أخرى اسمها الطبقة البرجوازية، تملك آلات الإنتاج ووسائله. و قد كتب رسالة لماركس في فرنسا و ألمانيا يخبره عن اكتشافه الجديد للطبقة العاملة، و دعاه ليرى بأم عينه هذه الطبقة، و قد اعترف ماركس ذاته أنّ الأخبار تصله متأخرة، و ما عليه إلا أن يحذوا حذوه. و في نفس الاتجاه قام ماوتستونغ بتحقيق ميداني بمقاطعة مولان الصينية، و اكتشف في الصين أنّ هناك طبقة جديدة، و هي طبقة الفلاحين حيث قال: "إنّ الثورة في الصين إمّا أن تكون ثورة فلاحين أو لا تكون.". و كان هذا التصريح الخطير نقطة الخلاف بينه و بين المتعصبين القائلين بوجود طبقة وحيدة، و هي الطبقة العاملة، ومن خلال هذه التحقيقات الميدانية بشقيها الرأسمالي و الماركسي، نشأ علم الاجتماع التطبيقي الذي انتقل من المستوى النظري إلى المستوى الميداني.

Commenting now closed

Make a free website with emyspot.com - Report abuse