الحــرية

 
مِــزْوَارِيَة الحـرية
 
الحرية هي عدم الخضوع لكل القيود و الالتزامات الشخصية أو الجماعية، المادية أو المعنوية، فهي كلمة تحتوي جميع معاني إحداث الرغبة و تحقيقها في أي ظرف و في أي وقت و بهذا يكون معنى الحرية معنى معنوي عاطفي وجداني يؤسس لحوادث واقعية عملية، مادية كانت أم ذهنية عقلية و من هنا نجد الحرية تتفرع إلى نوعان:
حرية فيزيائية بيولوجية و حرية فكرية روحية
فالحرية الفيزيائية البيولوجية هي تحديد الشخص أو الجماعة وقتا للقيام بأعمال بيولوجية أو فيزيائية و إقراره كقرار ثم تطبيق هذا القرار على أرضية الواقع تطبيقا عمليا يتناسب مع ما جاء فيه من تحديد للزمان و المكان و الكيفية المتبعة لحدوثه و مثال هذا:
تحديد وقت مراجعة الدرس للطالب، فالطالب وحده يختار موعد مراجعته و يقوم بها على النحو الذي أراد حين حلول الوقت الذي حدده لمراجعة ذلك الدرس سابقا.
أما الحرية الفكرية الروحية هي إطلاق العنان للفكر ليبدع في جميع المجالات و في الوقت الذي يراه مناسبا و بالطريقة التي يراها تخدم أهدافه، كالتحرر من قواعد المنطق العقلية، فنجد الفكر الحر يمزج بين الخيال و الواقع، فقد يفسر الأحداث الواقعية بالاعتماد على حكايات خيالية  أو يؤلف لحوادث خيالية انطلاقا من حقائق واقعية.
فهذا النوع من الفكر يتجاوز كل الحدود و يتخطى كل الخطوط بألوانها و مزاياها في بحثه في الموضوعات التي تشغله. و من هذا كله نجد أن الحرية الفكرية قد تصلح حينا و قد تفسد أحيانا، و هذا راجع إلى القاعدة الأولى لبداية العملية التفكيرية و هنا نجد في متناولنا الحريات الأخرى المعنوية كحرية الدين و المعتقد، فمن المعروف عن المسلمين في أوج قوتهم الفكرية و العسكرية قد حكموا الأرض الممتدة من حدود الصين شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا و من إفريقيا الوسطى جنوبا إلى مدينة فيينا الأوربية شمالا و لعدة قرون متوالية، إلا أنهم لم يفرضوا عبر هذه المدة الزمنية أي نوع من أنواع المعتقدات الإسلامية على أي فئة غير إسلامية و هذا يحسب للمسلمين الذين ضمنوا لهذه الأقليات حرية المعتقد و ممارسة الطقوس الخاصة بها،
وهنا يستحضرنا الإمام الشافعي رحمه الله الذي لم يجز حتى اقتراح البعل المسلم على زوجه الكتابي الدخول في الإسلام باعتباره هذا الاقتراح قد يقيد أو يربك الزوج الكتابي حفاظا على الحرية الكاملة لهذا الأخير الإعتقادية بالإضافة إلى الحريات المعروفة في عصرنا و من المهم جدا أن نشير إلى أن مفردة الحرية كثيرا ما تستعمل في غير محلها فتصبح كلمة حق يراد بها باطل، فقد نسمع السياسيين ينادونا بحرية الأفراد و هم الذين يقمعون هذه الحريات حين تتعارض مع مصالح معينة و هنا يستحضرنا قمع الحريات المتجسد في إحدى الدول الأوربية التي تطبل ليل نهار للحرية و معانيها السامية حتى جعلت منها مبدأ أساسي لجمهوريتها و بقائها و هي تشرع لمنع رداء نسائي على الرأس فهذا التناقض الكبير هو الذي أفرغ كلمة الحرية من معناها و جعلها تسقط في السفسطائية الحديثة  كما أضاع عند الكثيرين أسس المبادئ الأخلاقية و منها الحرية، فمثلا نجد كلمة حرية تتداول على أنها التخلص من المعوقات و الحواجز التي تفصل الفرد أو الجماعة عن تحقيق هدف معين و هذا المفهوم بهذا المعنى يسقط الدارك له في معنى التحرر و هذا يجعلنا نحدد معنى التحرر الدقيق، فالتحرر ينطبق على رغبة العبد أو الأسير أو المكتسب لحرية ناقصة و هنا بهذا المدلول يكون مفهوما جزئيا من معنى الحرية، فالحرية كمفهوم كلي يتفرع منها مبدأ التحرر كحالة جزئية هدفها الوصول إلى النقطة المنشودة الشاملة لهذا الفرع.
 
 
كما يمكننا القول إن الحرية لا تكون إلا بالتحرر، فالتحرر ظل لمدة عقود الشغل الشاغل لعدة مجتمعات و شعوبا بأكملها.
 
و لتحقيق ذلك بذل في سبيله العينات المضطهدة كل ما يملكون من وسائل و أفكار و تحالفات و حتى عمليات عسكرية أو اقتتالا ميدانيا سقط خلاله الملايين من الضحايا و بالمقابل نجد أن الجماعات أو الهيئات القامعة للحرية ترفض تحرر ضحاياها، فنجد المحتل للأراضي يأبى التخلي عنها، ونجد المحتل للثروات يأبى التخلي عنها و الحبل على الجرار في هذا السياق.
فتدرج قمع الحريات يتدرج بتطور الإنسان، ففي مجتمعات ولت كان الإنسان عبدا لإنسان مثله  على أساس عنصري و هنا تتبين لنا كل الآفات الاجتماعية الأخرى، فساد الاضطهاد بكل أنواعه الجسدية، فالعبيد كانوا يحيون حياة الأموات، منزوعي الحقوق لدرجة أنهم في أماكن عدة من ذلك العالم القديم كانوا يعتبرون مخلوقات غير بشرية، فيحرمون من الجلوس مع أسيادهم و الزواج من بنات الأشراف أو حتى إبداء الرأي و ما شابه ذلك من حقوق الفرد، و مع مرور الأزمنة، و بالكفاح المتواصل بدأت الحرية تأخذ فضاء أوسع على الرغم من أن في المقابل اتسع فضاء الاحتلال أيضا حتى صارت اليوم الحرية في مجالات معينة مطلقة لكنها لا تزيغ عن حدود الاحتلال المرسومة فنجد المرأة مثلا ناضلت لتصل إلى ما هي عليه من حرية، فقد تحولت مع مرور الزمن من المخلوق نجس يمنع عليه دخول الكنيسة إلى أخت تحظى برعاية الرب و احترام المسحيين المخلصين، لكنها لا تحيد عن منطق و تعاليم الكنيسة، وهنا تظهر حدود حريتها، فالحرية بالمعنى المطلق غير موجودة، و بالتالي التحرر مطلوب، فترى في عصرنا احتلالا جديدا من الإمبراطوريات الإحتلالية التقليدية لمستعمراتها، فنجد هذه الأخيرة تستجيب لقمع حريات أفرادها دون أن تدري، مما أصطلح عليه بالاحتلال الثقافي أو الفكري، و هنا نرى إمبراطورية عظمى أقوى حتى من روما في عصرها تبسط هيمنتها على العالم العصري المتحرك من خلال استيعاب الأفكار بعد سحقها و صهرها في قالب المفاهيم السفسطائية العصرية.
فمثال ذلك أن الفرد يوجه إلى مجال معين يكون فيه حرا حرية أكثر من مطلقة دون مجال آخر تحت لواء الرغبات و الميول و القدرات، فيكون هؤلاء الأفراد أحرار في كيفية اللباس و المظهر و الاعتقاد و التنقل لكنهم غير مسموح لهم أن يكونوا أحرارا في ممارسة السياسة أو أداء الخدمة العسكرية، ومنه قمع الحرية في الألفية الجديدة أصبح ممنهجا، لبقا، يحتوي الكثير من الأدب والحلاوة والخبث، بحيث أن النظم الاحتلالية صارت تحتل الفكر و العقل، و تقيد حريتهما دون أن يعرف هذا العقل المحتل عن حالته التي آل إليها في خضم الأفكار التي تتبع اتجاها معينا.
فالفكر العربي مثلا اليوم يقبل أفكارا غريبة عن معتقده و حياته و موروثه العلمي و الثقافي و مع ذلك يقبلها انطلاقا من تبريرات صيغة من قبل مسوقي هذه الأفكار بإحكام، فمثلا نرى الإنسان العربي المسلم يذهب مع زوجته في رحلة على الشاطئ، فتلبس الزوجة لباسا فاضحا لجسمها و هي مقتنعة أن هذا الفعل من قبل حرية المظهر ، و يقبل الرجل العربي الأصيل بفكرة زوجته تتباهى بمظهرها الغريب عن ثقافته و معتقده و مجتمعه الذي لم يعرف سواه من منطق المودا مثلا، فيصبح المبدأ فكرة تخلف، مما ولد في المجتمع العربي أرضية صالحة لتقبل كل ما هو غريب في الماضي القريب من الحرية التي تكون  لدى الفرد العربي عنها مفهوما سفسطائيا، و هنا نضيف حرية التنقل و الإقامة، بحيث نجد الشاب العربي المثقف الذي يعتبر من نخبة الأمة العربية يهاجر إلى جنة أوروبا انطلاقا من هذه الفكرة السفسطائية، و تزيد سعادة هذا الشاب العربي المهاجر الحامل للثقافة و العلم عندما يجد أوروبـا تمنح له كامل الحرية في الإقامة و العمل متجاهلا أن أوروبـا نفسها هي التي ترفض أعطاء حرية التنقل و الإقامة لشباب عربي آخر كل همه التنعم بظلال أوروبـا الحضارية، لا لشيء إلا أنهم لا يعدونها بمستقبل واعد في العلم والخدمات الاستغلالية .
 
 
وهنـا يبرز الفرق الشاسع بين الحرية والتظاهر بالحرية، فالأولى كما بينـا سابقا ذات معنى نبيل، يخدم البشرية و الإنسانية و مفتاح من مفاتيح الخير و لكن في عصرنـا استبدل بالمعنى الثاني المتمثل في التظاهر بالحرية بغية تحقيق مصالح ضيقة تلك القابعة و راء هذا الوجه الحر المجمل.
و في هذا المجال، و بانتقال معنى الحرية إلى التظاهر بها نجده مطابقا لقصة البابا و المذنب كما حدث ذات يوم، أتى رجل إلى الكنيسة و شرع في التوسل إلى البابــا طالبا منه التوسط له مع الرب لكي يغفر له هذا الأخير خطيئة تضييعه لإيمانه، فما كان جواب البـابـا لهذا الفرد المخلص سوى أن نصحه بقوله:"تظاهر بالإيمان".
 
و من هنا يمكننا القول أن عصرنـا هذا أفرز طبقتين من البشر، الأولى حرة تعيش في ترف مادي و معنوي و حرية معرفية و فكرية و فيزيائية و بيولوجية اكتسبها من استعمار وسلب حرية الطبقة الثانية التي أوهمتها بالحرية و العدل و المساواة في الحقوق و الواجبات  و غيرها من الشعارات البراقة مما جعل الطبقة الثانية أسيرة الأفكار التي تستوردهـا و قد يسأل سائل عن ماهية الطبقة الأولى السيدة و ماهية الطبقة الثانية الأسيرة؟
إن الطبقة الأولى في نظرنـا هي قليلة بالنسبة لهذا العالم الفسيح، فهي لا تتجاوز 9% من سكان الإمبراطورية العظيمة.
تغلغلوا في مراكز صنع القرار و تحكموا في توجه السياسات وتدفق المعلومـات، فأحكموا السيطرة على باقي أفراد العالم مما جعل تلك 9% تبلغ الحرية المطلقة، فبإشارة منها تقتل أقوام و بإشارة أخرى تحرم شعوب من المياه، و بفكرة من أفكارها تسوق شعوبـا بأكملها على طريقة راع البقر في دالاس بتكساس.
هذا هو عصر الحرية الخرافية الذي نعيشه و إن أكبر مأساة تجول في خاطري، هو انتمائي للطبقة المستعبَدة الأسيرة في وهم الحرية المغلوطة. فإنـنا اليوم أمام حقيقة واحدة بدأت تظهر جليا، وهي إما أن نكافح من أجل بلوغ حريتنا الكاملة من هذا النظام الاستبدادي الجديد أو نلقي بأسلحتنا قبل بداية المعركـة كما فعل كثيرون قبلنـا.
فقد حانت لحظة الاختيار و إنـي لأميل إلى القول القائل: إما أعيش مبتسما راضيا حرا أو أموت و أنــا أصرخ 

Commenting now closed

Make a free website with emyspot.com - Report abuse