مِعْوَلُ الإِنْسَانِيَةِ

مِعْوَلُ الإِنْسَانِيَةِ

 

مِعْوَلُ الإِنْسَانِيَةِ

 

إننا نؤمن بأنّ الإنسانية خُلقت على السواء، و قد جُعلت لها حقوقا فوق كلّ اعتبار كالعدالة، الحرية و استقلالية الانتماء لأي كان، و تحت أي ظرف، و إنما تقوم هذه الأنظمة بين الناس لضمان هذه الحقوق، و تستمدّ سلطتها من الشعب ككتلة سياسية، و المجتمع ككتلة جماعية أو اجتماعية، و الديـن كعامل ثابت، إضافة إلى الثقافة المتضمنة للهوية و الرؤى المستقبلية المحتوية لكلّ الطموحات، فنحن لا نقبل باضمحلال هذه الركائز التي ميّزتنا عن سائر المخلوقات إلى يومنا هذا، و التي ورثناها عن أجدادنا، و نحن نطلب من أحفادنا ضمان كلّ ما من شأنه أن يحفظ المكاسب النفعية منها و الشرفية لمقوماتنا كأمم تعيش على هذا الكوكب الجميل.

الهدف من كلّ المؤسسات في كل العقود الاجتماعية، المحلية منها و الدولية هو الحفاظ على حق الإنسان في العيش بكرامة طبيعية، التي لا يمكن التنازل عنها، فيكون مبدأ سيادة الفردانية أساسا في الأمم، و لا يجوز لأيّ جماعة، أو أي شخص أن يمارس سلطة لا تستمد من الأمة الإنسانية فعلا.

الحرية هي القيام بأي عمل لا يلحق الضرر بالآخرين، و ممارسة أي إنسان لحقوقه لا تتوقف إلاّ عند الحدود التي تضمن للآخرين حقوقهم، و النظم هي الكفيل الوحيد لضبط تلك الحدود.

فرغم هزيمة الذات البشرية في الحروب إلاّ أنها استفادت منها حضاريا، من خلال احتكاكها بالعقول المفكرة، و التي غيّرت من نظرتها إلى الكثير من المفاهيم.

لقد أسهم العقل المشار إليه سابقا في النهضات عبر الزمن في النواحي الثقافية بأساليب مباشرة أو غير مباشرة، و مهما كانت العلاقة بين الشعور و العقل من نواحيها الايجابية و السلبية، فقد زاد اطلاع العقل على التراث، الذي حفظته المكتبات، كما أنّ الضغط النفسي المتواصل على العقل المبدع ساعد على إحياء القديم من الأفكار الكلاسيكية في جهات عدّة من العالم نتيجة لتناغم الإنسانية، و لعل من أبرز الأمثلة ذلك التكاثف للمخلوقات المقدسة أين أقامت منازل الأدب و الحوار مكونين بذلك جلالة الإنسان الكاملة و النادرة.

فالعلم و الجهل لا يستويان على كفتيْ ميزان، و العقل العامل عالم مهما طال أمد عمله، بينما العقل الذي لا يعمل جاهل مهما أظهر عكس هذا القول، أو تظاهر بما لا يحتويه، فشتان بين البصر و البصيرة، فالإنسان الذي يشغل دماغه إلى حده الأقصى المتواضع ملك و لو بعد حين، بينما الذليل من لا يعطي لدماغه حقه من الشغل، فقد سار من سار، و طار من طار، فاختلفت الجنة و النار.

من الحقائق التي لا يحسن أن تغيب عنا و نحن نقدّر العقل من سادة العصور الغابرة، أنّه يتأقلم مع كلّ زمن، كلّ على حسب خصائصه و معطياته، فالعقل القديم ليس هو العقل الحديث و هذا الأخير لا يشبه العقل المعاصر، فلكل منهم زمنه و آليات عمله كنتيجة للمحيط الموجود فيه و الضاغط عليه، لا لشيء إلاّ أنّ العامل يسود على المعمول به لبلوغ العمالة المسددة ناحية العمل على وجه الإعمال لا غير و لا ضرر.

و يحسن بنا أن نذكر مع هذا أنّ أشكال تقاذف المتغيّرات بمرتبة دون مرتبة الأسس التي ترتكز عليها، و أنّ النظام العقلي بمرتبة دون مرتبة الروح الإنسانية التي ينبغي أن يعمها و يتخللها، على سبيل المبدأ في غالب الأحايين. فالتفكير و التذكر شكلان من أشكال حركة الآلة العقلية قد يقومان على مبدأ التحفيز و الدفع باتجاه الإنتاج أو الاستحضار، لأنّ فقدان المبدأ و الشكل لا يضيرنا إذا وجدنا النتائج. أمّا هذان الأخيران فهما اللذان يضير و لو توافرت العمليتان المعروفتان (التفكير، التذكر).

 

 

السيد: مــزوار محمد سعيد.      

Commenting now closed

Make a free website with emyspot.com - Report abuse