الناس يلمسون ما يسمعونه

الناس يلمسون ما يسمعونه

 

الناس يلمسون ما يسمعونه

 

 

أهلا بكم في مدينتنا، إنها ليست ككل المدن، لها مباني معرفية، أناسها علماء، وقتهم موزع بين المطالعة و المناظرة، و غيرها من صفات الإنسان الساعي وراء العلم، ضحكاتهم لا تُسمع بل تُرى، سمعهم شديد، و ذكاؤهم لا حصر له، أثاث هذه المدينة و تجهيزاتها رثة، قديمة، لكنّ مواطنيها تبدوا عليهم علامات الجلالة، سفيههم شاعر، و كبيرهم موسوعيٌّ، طفلهم روائي، و عجوزهم ينبش في تراب الحكمة، بينما مجنونهم فيلسوف بامتياز. يستيقظون باكرا ليطالعوا الجديد، و ينامون متأخرين لأنهم لا يتركون يوما يمرّ إلاّ و يأتون بالجديد، و في يوم من الأيام، و بينما هم يعيشون بسلام، دخل جاهل هذه المدينة، فراح يفتخر بجهله، راح يصيح و يصرخ قائلا: "أنا لا أعرف، و لا أريد أن أعرف، و أكره العارفين". و ظلّ هكذا لأيّام، يمشي في تلك الشوارع و يردد نفس الموّال، حتى تعب، و أنهكه المرض، فدخل مستشفا يعرض مرضه على أطباء تلك المدينة. فإذا به يندهش من الطبيب الذي قابله.

الطبيب: مرحبا بك يا إنسان.

الجاهل: دعنا من سخافتك، أريد الدواء.

الطبيب: ما علتك؟

الجاهل: مرضي أنتم، و ألمي أنــا.

الطبيب: فهمت "أنتم" و لم أفهم "أنـــا".

الجاهل: أعني أني لا أعرف، و لا أريد أن أعرف، و أكره العارفين.

الطبيب بابتسامة تخفي نظرة ثاقبة: إذن! دواؤك عندي لقد أصبت المكان.

الجاهل: هاته قبل نفاذ صبري.

الطبيب: انعدام المعرفة داء، و إدراك الجهل إشكال وليس بمشكلة، و كره العارفين تبرير للرغبة و العجز في إدراك المعرفة.

فانفجر الجاهل باكيا، و احتضنه الطبيب قائلا: أنت لست بجاهل ما دمت تدرك أنّك جاهل.

 

 

السيّد: مـــزوار محمد سعيد.

Commenting now closed

Make a free website with emyspot.com - Report abuse