سلامة فكر السلام

سلامة فكر السلام

15.jpg

سلامة فكر السلام

   

إنسان يهيم بين الذي هو جاد، يأخذ من كلّ المعاني ضميرا، لائقا لمقامه الأنيق، يعفوا على من ظلموه و يظلمونه كل حين، يشدّ الحبال، يرفع عينيه ناحية الأفق من بعيد، إنّه يسير، و يعبر الطرق غير مستأنس لأحد، طرفه الأوّل متشبث بالأمل، و الثاني حبيب العمل، لا يساوي شيئا في عيون الناظرين إليه، و هم كلّ شيء بالنسبة له،عيناه تروي أخبارا ليست سيئة بالقدر التي هي على بيانها ينقسم المفكرون، إنه بشريّ عظيم لمّا يحدث نفسه، و تافه لا يساوي غبار حذائه، عندما يحدث الآخرين، لكنه ليس كغيره، فهو الوحيد الذي أحبّ الناس، و لم ينتظر حبّهم، و هو الفرد الأوحد الذي أهدى الهدايا القيّمة لمن أساؤوا إليه، فيا له من كائن خبير، قادر على الإحسان في أسوء الظروف، إنّه للغز يحيّر الألباب، و يعصف بالمفاهيم المتغيّرة، إنّه لعجب لمن يحاول الولوج إلى المعنى، بالنسبة لفعل هذا الإنسان من جهة الاجتماع كعلم، صعب جدا أن تدرك ما يريد، و متى يريد، و كيف هو ساع في إرادته، و التي تأخذ صورا، أقله تعقيدا معقد كثيرا عند وعي البشر البسيط. لعبة يدخلها عند مشيئته، و يربحها حين يتمنى غيره له الخسارة، يعيش بين النقيض و ضده، و يحلّ العقد ليغلق باب الاعتراف. سمّى نفسه بألقاب كثيرة، و مع ذلك دلّت على موجود واحد، لعلّ من لا يعرفه يحسبه شبح هذا الزمان، و لعلّ من عرفه خاله من ملائكة الشيطان، إنّه نار فوق علم، نور في كهف يكسر صمت الظلام، و إن لم يستطع أعاد كلّ شيء للانهاية الظروف، لا يعرف البياض المخبول، و هو على يقين ممّا في عقله يجول، و لكلّ من سبحوا في عواطفه فإنّه يقول:" أنا الذي ليس بأنا، أنا النور في القصور، و الفرح و السرور، أنا من لم تعجبه العطور، و سار رغم الجروح و الكسور.".

يقول طوماس هوبز: "إنّ شعبا يرضى بالخضوع للحكم الاستبدادي، هو شعب مجنون و أحمق". فلو تناولنا كلمة "شعب" بعيدا عن التأويل السياسي، فإننا نقصد به أنّ الفرد المنبثق عن شعب مجنون و أحمق يبدوا بعملية آلية، و في قالب الاستنتاج الصوري الأرسطي فردا مجنونا بدوره، فما هو المقصود بالجنون؟

إذا عدنا على ناحية المنطلق من الجانب اللغوي للكلمة، فهي من الفعل جنّ، يجنّ و بالتالي مجنونا و جنونا، أمّا من جهة الاصطلاح: فإنّ هذا المصطلح ينمّ عن الشذوذ و الخصوصية في نظر أحدهم أو الجماعة إلى حدّ ليس ببعيد عن العجب و الدهشة. و عليه فإنّ وصف العديد من الأفراد بالجنون، لهو أمر جيّد، عند تحفيزه للعقل وحثه على الاشتغال، قصد الوصول إلى الأخذ بأسباب و نقاط التقاء التفسير بالتبرير. إنّها لوجه واضح يشترك فيه الأشخاص بعينهم، إذا ما تشاركوا في قبولهم بحكم يبدوا لكثيرين على أنّه مستبد، ظالم، يأخذ الحرّيات إلى سجن الطمع و الكره الجليّ، سواء على عامة البشر أو الخاصة في اتجاه اللزوم الآلي، و الذي هو خاضع للجنون بسبب القبول الحرّ بإرادة الفرض و الإجبار. لكــن قد ينسى السيّد: هوبز أنّ الجنون يفقد مفهومه إذا ما ألصق بالجمع، فهذا المعنى قد يهضم في طريق بلوغ حرية الاعتقاد الكاملة بالأفكار التي تترجم إلى أفعال، و إيديولوجيات في أقرب الهيئات. و التي تبرز على أنها تقود الجماهير إلى برّ الأمان. كذلك اللفظ المعبّر عن الحماقة، فهي تُقرن في هذا القول بالجنون على نهج تبني نفس المصير، إنها تعابير تُعطي للمتلقي أكثر من تصوّر، إذا ما نُعت بها مفردا، لكنها تحتاج إلى نوعية أكبر من فعّالة لفهم الهدف منها، إذا ما نُعتت بها الكتلة الجماعية، كما جاء بها السيّد: هوبز. فلا يمكن إلاّ أن تكون ميزة الفلاسفة التي تُؤوّل المادة الخام إلى درجة الاستحالة العميقة، و هذا لا يقف عليه إلاّ من هو مِن طينة العظماء الخالدين.

فالحركة الفكرية التي جرت منذ خلق الإنسان، على مستوى كلّ المناطق و الحضارات، و الحملات الاستكشافية التي سبقتها أو تزامنت معها، شكلت مشهدا رائعا هو الوحيد التي يضيء دروب البشرية، فجعلنا نتفاءل خيرا بأنّ الإنسانية قد تكون نقطة انطلاقة كممارسة حياتية عادلة، تنسينا ذلك المشهد المؤلم لحدود جغرافية أو عقائدية و كبارا يسلبون الشعوب صفاتها السامية دون حساب. على من يديرون العالم اليوم، أخذ العبرة مما حدث في غابر الأزمان، و ليتعلموا أبجديات الصفاء، و ليكفوا عن التصرف في ذاكرة الكائنات المميّزة و الواعية بعيدا عن إرادتها، و على الصغار من المميّزين التوقف عن إعطاء الشرعية الشكلية للقرارات و البرامج الارتجالية الشاملة و الجانية في حق التفكير السليم.

سيسجل التاريخ أسماء كل المشاركين في المسرحية الرديئة للهناء الكامل في هذا العالم، هؤلاء الذين سمحوا لأنفسهم باللعب بمستقبل الغافلين لا لشيء إلاّ ليحافظوا على سلامة محسوساتهم، بينما نجد الشرفاء من المفكرين شرقا و غربا يقطعون خطوات شجاعة على صعيد نشر ما يظهر أنّه يرتقي بالبشر باتجاه الكمال.

إنّ الانطلاق من أنّنا ملمّون بمعاني التقارب سبب قديم يدفع الإنسان على اختلاف أجناسه باتجاه السلطة، منصب يُعَجِّلُ بنفاذ المسؤولية من أيدي الإنسان نفسه في حالات اتخاذ القرارات و العزم على تنفيذها، لكنّها و رغم كلّ هذا فهي باقية ما بقي هذا المخلوق في هذا الكون، و لو بأجزاء دقيقة، خاصة و أنّ هناك الكثير من علامات الظلم الفكري ممّا ولّد زيادة في حياة إمكانية تشبث البعض بأمل العبودية و الارتقاء، إنّ الاستعمار المعاصر ما يزال يبسط نفوذه في كلّ وجهة يظنّ أنّها تخدم مقامه أو تُطيل أمده، فيحارب الدين و يهجوا الأصالة، بينما يدفع بالمعاصرة الحقيقية إلى حبل المشنقة، لا لشيء إلاّ أنّها تمسكت بالحرية ذات الجوانب كافّـة.

فكثرت في أيامنا الأفكار النارية و القصف بالثقيل في اتجاه نقيض المصلحة التي تخدم الأنانية، و كثر اتهامها بفرملة تدفق الصريح من المعاني الهادفة لتعميم الخير الذي يقترب من المطلق، خاصة تلك الإيديولوجيات المعبّرة عن الدين الخالص المُنزل و المُنزه عن التحريف حتى لو كان جزئيا.

الخصوم يتهمون النفوس الشريفة بوضع الإنسانية في دائرة "الخطـر" و تفويت فرصة تاريخية على البشر لإصلاح ما أفسدته قوى الضباب و من حكم باسمها طيلة الماضي. لكن هل تلين قوى العداء الفكري أم تتحول مع ربيبها إلى آفة التاريخ الصحيح و التفكير الهادف على الإنسانيين و ما يدور في عقولهم؟

السيّد: مــزوار محمد سعيد.           

 

 

 

Commenting now closed

Make a free website with emyspot.com - Report abuse