الفردوس المفقود

فـردوس العرب و المسلمين المفقود

36932-142833722398200-142175862463986-449897-339157-n-1.jpg

فـردوس العرب و المسلمين المفقود

السيد: مــزوار محمد سعيد 

 

 

لو نظرنا إلى الأندلس لوجدناها بلاد خير أوّلا و أخيرا، بلاد تأخذ من كل النسمات عبقا، تخلطه و تزيد عليه نكهتها الخاصة، فتنتج نموذجا متميّزا لزائريها لا يقل عن النماذج العجيبة في أيّ شيء، و الزائر لهذه البقعة الطيبة حتما سيتعرف على ظلال أناس مروا على تلك الأرجاء، سيلمس ذكاءهم، و سيسمع نغمات آلاتهم، سيتذكر شعرهم و فنهم، إضافة إلى علمهم و نصيبهم من العظمة.

كل هذا يسمى الأندلس العزيزة على القلوب، و هذا كله يسمى اسبانيا المدمعة للعيون، فأين عرب اليوم من كلّ هذا، و هذا كله؟

و لو عبثنا بتأريخ التاريخ لوجدناه مزيجا من بطولات يُعتقد أنها ولّت، و نكبات ترسخت على مرّ العصور قدرا محتوما على أمة لم يبقى منها إلاّ آثار و ذكريات. و إنّ هذا هو المصاب الجلل، فكيف نتذكر القدس و بغداد، و نطالب بهما و ننسى قرطبة و غرناطة؟

إننا في القرن الواحد و العشرين، عرب مقصرون في هذه الناحية من التسجيلات الخالدة، فالأندلس بنتها أياد عربية، و رسمت مستقبلها عقول عربية، و هُجِّرَت منها أجساد عربية، فلا يمكن إلاّ أن تظل عربية، عربية... عربية.

علينا أن نطالب بها كحق ضائع، و علينا أن نسعى لاستردادها، هي ملكنا نحن العرب و الأوروبيون أخذوها منا عنوة، و كما أننا نعتبر إسرائيل آخر قلاع الاستعمار التقليدي في آسيا، و الصحراء الغربية آخر مواطئ الاحتلال في أفريقيا، فإنّ اسبانيا هي آخر مواقع اغتصاب التاريخ في أوربا و العالم.

فكيف نرضى بهذا يا سادة؟؟؟

ننسى المطالبة بحق أناس قالوا يوما: "لا غالب إلا الله"، و ننصرف إلى غير ذلك و دونه، ننسى أو نتناسى لفظ الأندلس، و نعلقه على شماعة ذكرياتنا الحزينة، نحذف جزءا ليس باليسير من دفتر تاريخنا، و نتنكر له، سبحان الله !؟!

نرى الكثير من الإسلاميين يطالبون بالأقصى، و يتبركون استشرافا بعودته، حتى و لو في المستقبل البعيد، و نرى القوميون الآخرون من العلمانيين يدعمون الثورات الحقيقية منها، و الوهمية المنسوبة إلينا، و لا أحد يوجه كلماته للأندلس على أنها حق ضائع، أهازيج شرف يُتغنى به في عرس جماعيّ لعاهرات بزناة، هذا ما يسعنا وصف قلة حيلتنا، و قبولنا بشبه قدَرٍ فرض علينا فرضا. فيا لها من سخرية للضمائر، و لعب بالهويات و الأنساب، طردوا أجدادنا منها بالنساء، و حرّموا علينا دخولها بالتأشيرات، و الآن يسقطونها من الحسابات؟

إنها من المضحكات المبكيات، إنها لعبة شياطين استخفوا بعروبة العرب و استهزؤوا بالجيل العربيّ الجديد، و هنا ليكن واضحا وضوح ما عانيناه و نعانيه، إنّ القدس عربية و إنّ بغداد كذلك، و إنّ البلقان مسلم و إنّ الحبشة كذلك، و إنّ الأندلس عربية مسلمة و يجب أن تُعاد لذلك إنشاء الله.    

و هذا لا يكون إلاّ بمشروع متكامل و متوازن، قصد الإلمام بجميع الثغور التي تفشل المساعي و الجهود المبذولة لأجل بلوغ النتائج المرجوة.

كما أننا نتشرف بإعطاء مثال عن أحد المشاريع، التي قد تأخذ بأيدي الساعين، و العاملين على عودة الأفراح و الليالي الملاح للأندلس الجميلة من جديد، و عليه يمكن أن يأخذ العمل المنحى التالي:

الإيمان بأنّ الأندلس أرض الأجداد، و استعادتها فرض عين وجب تأديته.

العمل على تحقيق هذا الهدف من كل الأفراد، و بكل الطرق، و لو بالتمنّي.

تطوير الانجازات، و إحياء التراث العربي الأندلسي.

ولوج هذا المسعى متفادين التضحية في سبيله عند البداية.

الوقوف بإجلال أمام انجازات العلماء الأندلسيين، و محاولة إكمال عملهم على سبيل التقدم.

التدرب و التعود على العمل التدرجي، و التصاعدي، و إن لم يكن ممكنا فالثبات و عدم التراجع هو المهم.

مراجعة الانجازات الجديدة، و مدى تقدم الأشغال قصد التقييم و تدارك النقائص.

بناء جيل يؤمن بأنّ الأندلس كانت للمسلمين، و ستعود إليهم، و هذه هي مهمتهم المقدّسة.

التزام الصدق و المصداقية في كل انجاز يساهم به أيّ فرد، كلّ على حسب تخصصه و براعته.

إنّ الجانب النفسي السليم في الاستعداد، لهو مفتاح الانطلاقة الجيّدة لأيّ خطوة نحو الأندلس، و إنّ الشعور بالواجب لهو تاج النجاح الفعلـــي. 

فعندما يسقط النظام، و يضيع الهدف، تنام الأقدار، و تصاب العقول بالتلف، هناك على ضفاف الأنهار الجارية، التي يتدفق من ينابيعها الألم، هناك حيث توجد المصبات، و يتشكل كلّ شيء من لا شيء، هناك تبرز خيوط الحقيقة واضحة، تملي على مسامع المؤمنين بها بيان تحرير النفوس من قيود الماضي البائس، ذلك الرجل المستلقي في تابوته المغطى برمز شرف الخيانة، أين تنتصب هامة الدنيا، و أين تضيع الكلمات بين صفوف انتظار القنديل، فتترنم الشفاه، و تعجز الحناجر عن الصياح، فتعود البداية حكاية، و تتحول القصة إلى سراب، في زمن الضياع، نبحث عن ضياع الزمن و تلاشيه، فنسأل: كيف و متى و أيـن؟ و تخوننا الإجابات، و تسحرنا الكلمات، في ظل دخول المعنى الذي توكل إليه الشتائم، و الأسئلة من جدوى المفاهيم و العبارات، غرفة العناية القصوى، فتنزل بردا و استجماما على ملك الأرواح الهادئة. و هنا في مكان انعدام النور، و جلجلة الليل الساكنة، يأتي صوت من بعيد، صوت نابع من عمق الأعماق، فينساب بين الملتقطات بموكبه المعهود، عهدة الملوك و الجبارين، لكنه يخفي بين ضلوعه قدر الزمان، و كيل الأيام بمكياليْن، ذلك الزمن الذي أسر العصافير، و شرّد مساكينا في مدينة العلوم، و بين أروقة قصر السلطان، فيدخل في ارتعاشة مزمنة، بدأت للتو، ارتعاش مذنب في حضرة قاضيه، و أمام مرأى أحبائه، و لوم ضحاياه، إنها ناتجة عن كيد النساء، و غلبت الظروف. فتلتفت إلى اليمين لتجد النبيذ و السبات، و تلتفت إلى اليسار فتجد الإيمان و العبادات، و كلّ هذا لا يكفيك، و لا يشفي غليلك في شيء، فترفع رأسك الكبير ناحية السماء لتعد نجوما، أصل جمالها بعدها عنا، و إن كانت في متناولنا لزال الرونق، و لصارت ذكريات، و مع كل هذا مازالت النار متقدة بين الأمعاء، تحاول الخروج إلى المجهول لالتهامه أيام التهام، لكنها تضيع في متاهة اليقين، الذي هزمها في ساحة الإدراك، إدراك أنّ أجزاء منّا نسيناها في الشمال، حين قرر أعداؤنا اقتسام ذواتنا مناصفة، و حين فاز الغربيون بالنصيب الوفير، حين عادت كل التفاصيل تحكي أساطير الاشتياق، تسرد لزمن قصة ألم الأوشام المضجرة، و عادت القصص المملة لتزين هوامش كتب الحضارات، هذه ليست البداية، و لا هي النهاية، هذه اسم مختلف لكيان هزم داخليا، فما بالك بالخارج، ذلك الواقع المر، الذي يسكن أفئدة موحشة، و لكن الرجل الميّت مازال يسير، مازال يرفض صدور شهادة وفاته القذرة، إنه يمشي في طريق ذا جوانب شائكة، و من خلفه حواجز حديدية صدئة، لكن أمامه حقول من الألغام، تلك التي نادته من بعيد، و وعدته بالطاعة و الولاء، تحت ضمانة القسم الزائف، إنه الوحيد الذي يمشي إلى حذفه الأكيد، و لكنه يمشي، و هو متيقن من عدم فائدة المشي، فيدفع بنفسه للاقتناع بعكس ذلك، مستعينا بحجج تتخذ من شعيرات مخه الدموية، موردا للعيش، في أيام بخلت عليه حتى بالهواء النقي المنعش، لكن ذلك الإنسان مازال مصرا على المضي قدما، و هو يحمل بجانب جيبه الأيمن تلك الجعبة، واضعا فيها آخر مسامير النعش الأبدي، رافضا كل الأوهام، و عاكفا على تخطي الصعاب، تلك التي أنهكته من شدة قوتها، و مقاومتها المستعصية عن الرضوخ لقوة الإيمان، فهاهو يتوقف من حين لآخر في مكان مهجور، و يحاول الصراخ، إنه يعلم أنّ لا مجيب لصراخه، و مع ذلك إنه يصرخ حتى تكاد أحباله الصوتية تتمزق، فيداويها بعسل النحل المعروف، و بعض الأعشاب الفكرية المنسوبة لعرب أتعبوا الوقت قبل أن يُتعبهم. موضوعة في إناء فضي، وجده هذا الرجل في إحدى القرى التي زارها مكره، تلك التي جذبته أضرحتها والتي تتوسط ساحاتها العامة، و المزينة بالأحجار الكريمة، و رسومات سكانها الرقود، لعلها تستطيع امتلاك إحدى زوايا قلبه القاسي، لكن هذا الأخير يرفضه رفضا لطيفا، و يوحي للعقل بإكمال المسير، يبدوا أنّ الرجل لم يمت بعد، لأنّه يموت كلّ يوم، في كل لحظة، و الذي لا جدال فيه أنّه ميّت. ميّت يقوم بما عجز عنه الأحياء، ميّت رفض نكران الذكرى و سرقة التاريخ، إنه ميّت يعلم البشرية كيف أنّ الدنيا تعاش بلحظاتها التي لا تحبّ العودة إلى الوراء، و مع ذلك تعشق الأصالة المتجذرة في نداء المستقبل، فجهل العنوان لا يعني أنّ هناك جهلا بالطرق و الممرات، لا يعني أنّ الموت سبب للتشاؤم، بل على النقيض من ذلك، فقبل ولادة الرجل الميّت كانت الأرض بخير، و ستبقى بخير بعد نومه بسلام، لكن الحكمة في كلّ هذا أنّ الرجل بغض النظر عن موته إنه موجود، و يمكن لمس بشرته المرشوشة بشعر خفيف، و يمكننا إضافة إلى كل هذا مرافقته إلى مثواه الأخير، على هيئة مواكب الزعماء و القادة. إنها دنيا تكرّه إلينا المفيد، و تحبب لنا المُهلك، فيا لها من عذراء قاتلة، إنها تقتل عاشقيها بسمّ حلو المذاق، تقتلهم بعدما تعبث معهم في إحدى الليالي الظلماء، تقتلهم لكنها تبكي على فراقهم بكاء يزعج الأحياء، فيقومون لإسكاتها بإرضائها، مما يوفر لها الفرصة للقيام بجرائمها الناعمة، فالعيب ليس في الجرم بقدر ما هو في النعومة، و هنا يتيه الرجل الميّت من جديد، و تخطر بباله أفكارا هوجاء، تذكره ببراءة الطفولة، و قسوة الأسياد. تملي عليه عادات مثقوبة بإبر السفهاء، لكنه يتذكرها في زحمة الأفكار، و تشوش عليه عملية التفكير برمتها، و تسبب له الصداع الذي يجلسه في زاوية المدينة الشاسعة، و القريبة من عصب الشارع الرئيسي بها، و بعد جلوسه تبتسم له العذراء من جديد، فيقوم إليها و هو متأكد من أنها أتت لقتله، يتذكر هذا لكنه يتناساه بقوله: "إنّ الأمر يستحق العناء" إنها قاهرة القلوب. فيدفعه جوعه الجنسي إليها، و هي ما تزال تلاحق خطواته بعينيْها الممتلئتيْن لؤما، و التي تحكي الكثير، إنها لغة الموت الدافئة، و يقترب الرجل الميّت من العذراء شيئا فشيئا، في حين أنها تستعدّ للدغه. و في لحظة شرود عقرب الساعة الكبير عن الدوران، تتمكن من تجريعه السمّ الحلو، و تأخذه بيدها إلى بيتها الأرجوانيّ، أين يحدث ما حدث، و بعدما يسترسل الليل بظلامه، يتحوّل الرجل إلى جثة تعبث بجسد العذراء المضيء، لكنّ الرجل لا يحس بشهوته، و لا العذراء تتمكن من ترويض وحشها الداخليّ، و في لحظة غفلة عقرب الساعة التوأم يتحرك كل واحد منهما في اتجاه مختلف، فيظهر أنّ السمّ يفقد مفعوله حقا، و أنّ الشهوة ثبطت إلى غير رجعة، لكنّ الابتسامة موجودة و باقية، فتستدير العذراء ناحية هذا الغريب الذي لم يكن كما تمنّته. أرادته إنسانا يُفرغ شهوته الهائلة فيها، و يفقد الحياة بعد ذلك، لكن تبيّن لها أنّه فاقد للشهوة، فاقد للحياة. و مع ذلك إنّه يحبّ أن يحيى، و يعشق البسمة حين تُرسم على وجوه الآخرين. و في تلك الثانية تتبخر رغبات العذراء، بينما يستيقظ أمل الرجل الميّت من جديد، فيغادر البيت الأرجوانيّ بلا وداع، تاركا وراءه ذكرى ليلة عرجاء، وينسى أخذ ثيابه المعلقة على مشجب الباب القرمزي، و مع ذلك لم ينسى أخذ جعبته التي بها آخر مسمار من النعش الأبديّ، و هو يفكر في جمال و أناقة العذراء.

إنه تفكير عميق يحاول به الرجل الميّت حلّ لغز قاهرة القلوب، فيرتب الأجزاء، و يجمع الأطراف، و هو على علم أنه لا جدوى من تشكيل الأنماط، و إحياء الماضي، و هنا يفتح الضمير عينيه لاستقبال صباح جديد، بألوان أندلسية جديدة، و أماني الاستبشار بالأفضل.

فإن كنت قد استوعبت كل هذا يا زميلي و رفيق دربي ياسين، فإنك بذلك قد حللت معادلتك السحرية، و إني لمتأكد أنا مــزوار محمد سعيد، أنّ المجهول يمسك بالأشياء التي نجهلها، بينما الحقيقة تكمن في أهدافنا، و سعينا إليها.

فالحسم بين المستقبل و الماضي لا بد منه، فشتان بين الجسد و ظله، و مكمن الدافع في قوّة إيماننا بجدوى عملنا، لا في توقف النبض فينا، و عليه فحسب رأيي المستقبل ضرورية عيشته بثوانيه و لحظاته، بينما الماضي لا حرج من تذكره، لكن كل الحرج هو ولوج شوارعه و معابره بغير إذنه مسبقا.                 

 

وهكذا إن دأبنا على نشر الفكرة على الأقل، أي التذكير بعروبة الأندلس، و وجوب عودتها إلى أحضان العرب و المسلمين، فإننا سنقود سفينة استرجاع الأراضي المغتصبة، و لو بعد حين، فنحن سنوقد المشعل، و ما على الأجيال اللاحقة إلاّ تسلمه، و السير على هدى نور وميضه، و إن انقطع باستمرار إلاّ أنّه يومض دائما.

 

 

   

Commenting now closed

Make a free website with emyspot.com - Report abuse