الفلسفة العربية

 
قَالَكْ الفَلْسَفَة العَرَبِيَة يَا خُويَا!!!
 
التلميذ: مــزوار محمد سعيد
النــــص:
" لا شك أن الفلسفة العربية قد تأثرت بالفلسفة اليونانية و أن الفلاسفة العرب قد نسجوا على منوال أفلاطون و أرسطو و أفلوطين و أخذوا عنهم معظم آرائهم و نظرياتهم و لكن تأثر فلاسفة العرب بفلاسفة اليونان لا يخفي ملامحهم الخاصة...
لا شك أن الفلسفة العربية فلسفة عقلية كالفلسفة اليونانية لأن معظم فلاسفة العرب يعتقدون أن العقل قادر على إدراك الحقيقة... و لا شك كذلك أن معظم فلاسفة العرب يؤمنون بوحدة المعرفة و الحقيقة و يقولون بمطابقة ما هو موجود فـي العقل لما هو موجود في الأعيــان .... و لكن الفلسفة العربية، و إن شربت من نبع اليونان و استمدت منه كثيرا من عناصرها، فإن كيفية استخدامها لهذه العنـــاصر، و الغاية التي من أجلها رتبتها هذا الترتيب مختلفتـــــان..............
و يرجع هذا الاختلاف في نظرنـــــا إلى أن الفيلسوف اليونانـــــي ينظر إلى العالـــــم نظرة فنية (استيتيكية)، على حين أن الفيلسوف العربـــي ينظر إليه نظرة دينية.  بـــــل الدين في نظر الفلسفة العربية، كما هو في نظر فلسفة القرون الوسطى المسيحية، أساس ضروري لا بد للفيلسوف من التوفيق بينه وبين الفلسفة.
جميل صليبا: تاريخ الفلسفة العربية. دار الكتاب اللبناني بيروت. ط2 . 1973.  ص 23_25 .
 
 
 
التعريف بصاحب النص:
إنه "جميل بن حبيب الخوري داود صليبا" المولود في 7 شباط من عام 1902 في قرية "القرعون" من قضاء البقاع الغربي من محافظة البقاع، وكان والده يعمل متعهداً ومعمارياً، وانتقل إلى "دمشق" مع أسرته للعمل في شق طريق "دمشق- درعا"، التحق بمدرسة "الآسية" ومن ثم بالمكتب السلطاني العثماني وتابع في عام 1918 دراسته في "مكتب عنبر" وحصل على شهادة الدراسة الثانوية منه عام 1921.
أوفدته وزارة المعارف السورية إلى باريس لمتابعة تحصيله العلمي، ودخل "صليبا" في فرع الفلسفة من كلية الآداب في جامعة السوربون، وبالإضافة إلى تمكنه وإتقانه للفرنسية حصل على دبلوم التربية من معهد علم النفس في عام 1923، وعلى درجة الإجازة في الآداب فرع الفلسفة في عام 1924، وعلى درجة الإجازة في الحقوق في عام 1926، وقدم إلى جامعة باريس أطروحة الدكتوراه عام 1926 وكانت بعنوان: "دراسة في ميتافيزيقية ابن سينا"، وفي عام 1927 قدم أطروحته المكملة بعنوان: "نظرية المعرفة على مذهب المدرسة الاجتماعية الفرنسية"، ومنحته جامعة السوربون درجة الدكتوراه في الآداب قسم الفلسفة، وكان أول عربي سوري يحمل هذه الشهادة في العلوم الإنسانية.
 
جميل صليبا" للأستاذ "الياس انطون نصر الله".
 
 
 
 
التحليـــــــــــل:
لا يختلف اثنان أن الفلسفة اليونانية هي مهد الفلسفة و نشأتها في التاريخ القديم، و مازالت تأثــر على الفلسفات التي تعاقبت على العالم بعدها حتى يومنا هذا، و نجد من بين هذه الفلسفات الفلسفة العربية أو الإسلامية، و التي تبنت الفلسفة اليونانية، و اقتبست منها المفاهيم العقلية لأفلاطون، و أرسطو.
لكن هذا الاقتباس لم يمنع الفلسفة العربية من صهر هذه العمليات و المفاهيم العقلية اليونانية في قالب المعتقد الإسلامي و العادات و الأعراف العربية القبلية منها و الحضرية، سواء على صعيد الثغور و الجبال، أو المدن و الدول العربية الحديثة.
و هنا و بناء على ما تقدم في مقدمة الموضوع نجد السؤال الذي يطرح نفسه:
أين نلمس الفلسفة اليونانية في الفلسفة العربية؟ أو على الأحرى: ما هو الجانب العربي والجانب اليوناني في الفلسفة العربية؟
إن اعتبرنا أن الفلسفة العربية سيف، فإنه حتما سيكون ذا حدين، فالحد الأول يمثل الفلسفة اليونانية المسنون بمبرد المفاهيم العقلية، و الحد الثانــي يمثل الطابع المعرفي و التراثي العربي المسنون بمبرد المعتقدات الإسلامية و الأعراف و المعارف الشعبية الروائية منها و التاريخية.
وهنا يتبين لنا أن الفلسفة العربية بنيت على أسس المفاهيم العقلية الإغريقية القديمة من المثالية الأفلاطونية و المنطقية الأرسطية و الرموز المجردة الفيثاغورثية، ليمزجها بالاعتقاد الديني إسلامي كان أم مسيحي بالإضافة إلى العادات القبلية القديمة، فجعل منها فلسفة تفرق بين الصواب والخطأ بميزان العقل والمعتقد.
و مما يؤكد هذا الطرح ما يلــي:
 
1.   الفلسفة العربية فلسفة عقلية كالفلسفة اليونانية، فنجد الفرابي يقيم فلسفته على أساس المثالية الأفلاطونية، وفلسفة الخوارزمي تقوم على فلسفة فيثاغورث وغيرها .... من الأمثلة التي توضح أغصان الفلسفة العربية التي تخرج من الجذع اليونانــي العريق.
2.   و نجد أيضا أن العرب لا يرضون بديلا عن وحدانية المعرفة و الحقيقة، و جعلوا منها مسارا للحق، وعبادة من العبادات و ذلك يظهر جليا في الآيات القرآنية التـي تحث المسلمين على طلب العلم، و الأحاديث النبوية الشريفة التي تحث بدورها العرب عموما، و المؤمنين خصوصا على التأمل في الكون ليزدادوا خشية من سلطان الله، الذي لا تعرف قدرته حسب هذه المصادر إلا بالنظر إلى مخلـوقاته.
3.   و مع هذا فإننا نجد أن العرب في بحثهم عن الحق و الخوف من الله الواحد، فقد نظروا إلى مخلوقاته، و تدبروا في الكون و إبداعاته الحسية، و ترجموها بالاعتماد على العقل إلى صور لرموز مجردة، لتبسيطها و تسهيل تداولها بين متاهات العمليات العقلية الخالصة، التـي تتحدث لغة جافة، و تعبر بطريقة مجردة عن الواقع المعاش و الماضي المحفوظ، و المستقبل الذي يتوجب التخطيط له.
4.   و هذا يجرنا إلى اختلاف الفلسفتين الإغريقية و العربية، و المتمثل في الاستخدام. فلكل فلسفة منهجها و هدفها المنشود، و الذي يظهر جليا في اللاورائيات والأبحاث الميتافيزيقية مثلا، فاليونانيــون يعتقدون بالعالم الآخر، و الذي هو الموطن الأصلي للروح . بينما العرب و المسلمون خصوصا يعتقدون بوحدانية الله الأحد الذي جعل للإنسان حياتين منفصلتين، الأولى فانية و الثانية خالدة، و النجاح فيهما متوقف على العمل الجاد. فاليونانـــي القديم نظر إلى العالم نظرة استقرائية للظواهر التي تشغل تفكيره آنذاك، و جعل من الاستنتاج المبنـي على المقدمات المستوحاة بدورها من الملاحظات المعمقة للظواهر خلال حدوثها، وسيلة للتحكم فيها أو تفاديها مستقبلا، بينما نجد الفكر العربي يميل إلى التفسير العقائدي للأمور و الظواهر المستعصية على الفهم، بما أن هذا الفكر في بداياته وُجد للنظر في إبداع الخالق، و قدرته على إدارة الكون، ليُدرك في الأخير أنه ضعيف أمام الله القادر على فعل ما أراد، وهنا وقع الفكر العربي في التفسير الجاهز للظواهر حينا، و الكسل في أحيان أخرى، مما ولد الجمود و الخمود و التعطيل للفكر العربي و الإسلامي.
 
و ما يُأخذ على هذا الطرح ما يلــي:
إن الفلسفة العربية تبدوا للمتأمل فيها بعمق أنها فلسفة مستقلة بذاتها، و ذلك اعتمادا على المواضيع التي ناقشتها و تناقشها. و نجد القائلين بالنظرة الدينية للفلسفة العربية يُغفلون أن العرب و كما هو معروف عنهم منذ فجر التاريخ، أمة متعددة الثقافات و الديانات و الأعراق، مما انعكس على أنواع طرق تأملهم للوجود، بالإضافة إلى أن عدة فلاسفة كُـفروا لاتخاذهم العقل ملجأ، و بيان لأسرار الحوادث الطبيعية منها و المُستحدثة، و مثال هذا دعوة الغزالـي لتكفير كل ما يتصل بالفلسفة اليونانية بالضرورة. بالإضافة إلى هذا فإن الاختلاف الموجود بين الفلسفتين كاختلاف الشمس على سائر الكواكب، و يبرز صدق هذا القول في الهدف منهما، فلو تعمقنا في دراسة الفلسفة اليونانية فإننا نجدها تبحث عن الحقيقة في الموجودات و المُثـُـل، و لو نظرنا إلى الفلسفة العربية لوجدناها تبحث في الحوادث و المُستحدثات مما وحد هدفهما معا، و المُتمثـل في حقيقة الحقائق الحقيقية و المُحَـقـَـقـَـة.
 
و ما نخلص إليه هو أن الفلسفة العربية كالشجرة التي أغصانها المباحث المختلفة، و التي تخرج من الجذع اليونـانـــي، و جذورها العادات و الأعراف و المعارف الشعبية، بينما هذه الشجرة هي موجودة في حديقة النظرة الدينية الإسلامية منها والمسيحية أو الوثنية و التي يجب تجاوزها كما تجاوزها الفكر الغربي الحديث.                   
صبرة، تـلمسان، الجزائر.
 
                   

Commenting now closed

Make a free website with emyspot.com - Report abuse