بيلاريس التفلسف

 

بيلاريس التفلسف

 

إنّ التفلسف حقيقة واقعة رغم انكارنا لها، و هروبنا منها، أو مجافاتنا لها، و معارضتها. وهذه العملية الطبيعية القابعة في أعماق البشر، و مازالت تحرك الأفراد و الشعوب، على سبيل الرغبة حينا، أو قصد بلوغ الأهداف أحيانا أخرى.

إنّ التفلسف يأخذ معناه من جمع أجزاء مختلفة تتراس لتعطي قالبا ضخما تصهر فيه من كل ايديولوجيا مبدأ متميزا عن الآخر، و منه للتبسيط فالتفلسف هو عملية سد فراغ التفكير، و رأب صدع العمليات الذهنية، لبلورة نتائج تبدوا صالحة إلى حد ما، فيصدقها القلب، و يقبلها الضمير الإنساني.

و هنا و بناء على ما تقدم نجد السؤال التالي:

ما أهمية التفلسف بالنسبة لنا نحن أبناء آدم؟

تكمن أهمية التفلسف في تعدد الحقائق، و اختلافها باختلاف مستقبليها، و استقبالهم لها، كما تدخل في مجالها أيضا مدى الرغبة و الحاجة اليها، مستعينين بالمناهج و الطرائق المتنوعة.

إننا نسلك طريقا مدججا بألغام سيكلوجية متعددة الاحجام و شدة الانفجار، فمنها المتعلق بالدين، و منها المتعلق بالسلطة، إضافة إلى الاجتماعي و الاخلاقي و فنون العيش الكثيرة.

فالإنسان المضطرب و العجيب من حيث التراكيب، بحاجة إلى التفلسف رغم أنه بمثابة ابن عاق له، فقد نجد فريقا من الباحثين ينكرون هذه العملية، و لكنهم يقومون بها على سبيل الحاجة لا الندية.

و هذه الحاجة جعلتهم يستبدلون اسم التفلسف بأسماء أخرى للعملية الواحدة في المنهج و الهدف و الطريقة المتبعة للوصول إلى النتائج المرغوب فيها. و من أشهر هذه الاسماء نجد تلك المتداولة بين سطور كتابات المواد العلمية، كالذكاء و البداهة، و طرق الخلاص. ناسين أو متناسين بذلك أن الفرق في العمليات الذهنية يكمن في الطرق و الهدف و المبدأ، لا في الاسماء التي قد تعبر عن الجوهر من جهة، أو عن الاشكال من جهات معينة و مستنسخة في الآن معا.

إن تمايز الحقائق جعل الكائن المقدس يسعى للاهتمام ببعضها على حساب البعض الآخر، من جهة مبدأ عيش الواجب أن يكون بينما هناك قائلين بشد الانتباه إلى كل جوانب الحقيقة، كمصدر للتعدد و التثاقل و نبذ المسؤولية التي حملوها ما لا تطيق، بالمشاركة في تركتها الثقيلة على أكتاف الرجال قبل غيرهم.

إن التبريرات الاخلاقية و عدم الاعتراف بأسوأ الأخطاء المرتكبة في حق النفوس قبل كل شيء جريمة الجرائم، فهي موت معنوي يغتال الاحلام, و ثقافة الحياة. و لهذا ما على البشر إلا مصارحة هذه الذات المسكينة، الفقيرة معرفيا و إحساسيا و شعوريا.

و هنا نقف عند مصارحة النفس قبل مصالحتها، فالنفس تعطي من يعطيها، و تحمي من يحميها، و تصادق من يصدّق لغتها، و يفهم معانيها، إن البشري الذي يُصنف في خانة عديمي الضمير هو الإنسان الذي يعيش أوهام ذاته الغارقة في توازن الاقصاء بالترويح على ما فات بما لا يفيد، و هذا التوازن في أصله قائم على اللاتوازن، فهو يرتكز على أركان متحركة قابلة لدخول دائرة فقدان السيطرة على أنواع التوجس و النبض العادي للأفكار، المستوحاة من الوجود الموجد للوحدات المعروفة في أوساط زوايا أرواح العباد.

كما أننا نجد من يقاوم هذه العملية بما لا تستجديه المقاومة، أي أننا نجد أناسا يحاولون الهروب إلى الأمام من قيود حاضر لا يمكن تخطيها في أفضل الأحوال. و لهذا كان التفلسف ضروريا لحل عقد الأزمات و التي قد تجعل من مواقعها بدايات تحوّل لا مناص منه، بل أبعد من هذا. فالتفلسف يربي في كنفه فهما دقيقا بمجريات أسوأ الامور لتفادي وقوعها في مستقبل ليس بالقريب و لا بالبعيد، إنه مستقبل آت لا محال.

فلو تخيلنا هذا العالم بدون تفلسف فحتما سنرسم في مخيتنا، تلك الصورة لإنسان يحاكي الحيوان في طبيعة قاسية، لا ترحم مرتاديها في أبسط البسيط، بل و أبعد من هذا، فإن حتى نقد أو بالأحرى انتقاد التفلسف و الهجوم على الفلاسفة هو تفلسف في حد ذاته.

فالتفلسف لا يحل الأزمة فقط، فهو الذي يؤسس لها و يديرها، ثم به نحلها في مظهر نحن راضين عنه قبل حدوثه.  

و عليه نجد التفلسف فلسفة كبيرة تقع على ساحل البحر المعرفي الأصيل، و حولها بساتين العلوم الكثيرة و مزارع التجارب متصلة.

و نتائجها فائضة و فيها جميع أنواع الحقائق. و هي أعرق الفلسفات الموجودة على ساحل البحر المعرفي، و أطيبها نتائجا و أحسنها قوانينا و قواعدا.

فيها العلم الذي يتميز بشدة حلاوته و نكهاته المختلفة، و فيها الفن الذي لا مثيل له. و تمتاز هذه العملية في وسطها بنقاشاتها العجيبة ذات الواجهات اللامعة الخلابة، و الاشكاليات الفاخرة التي توفر للفلاسفة كل أسباب الراحة، و النقد ذا الهندسة العجيبة.

و في خلاصتها يوجد معناها الكبير الذي يعج بحركة الأفكار القادمة و الذاهبة. و غير بعيد عنها ترسوا قوارب الحكايات التي تأتي بالخيرات الكثيرة من البحر الشعبي.

أما في الجانب الغربي منها توجد أقوال الحكماء الكثيرة، و لكل حكمة سوق، فهناك سوق المثاليين، و سوق الطبيعيين، و سوق اللاهوتيين و غيرها من الأسواق التي توفر للزائرين تحفا رائعة.

و قد كانت هذه العملية العقلية منذ الزمن القديم عملية يقين، و اشتهر كثير من أهلها بالصواب و السمو. فهي عملية تتطور كل يوم إلى الأحسن.

فكما ورد في مجلة لوغوس: "ليس لزماننا من شوق أعظم من رؤية الأصول الحقيقية تعبر عن نفسها أخيرا...".[1]

السيد: مـــزوار محمد سعيد



[1]: مجلة لوغوس، العدد التجريبي أفريل2011، كنوز للنشر و التوزيع- تلمسان، صفحة البيان التأسيسي.

Commenting now closed

Make a free website with emyspot.com - Report abuse