توركويزا

توركويزا
التلميذ: مــزوار محمد سعيد
 
إن من جوانب القدر أن جعل الإنسان كائنا ذا إحساس يثور و يهدئ، يضحك و يبكي، يرتقي بأناه روحا إلى درجات من جهة، و ينزلها دركات من جهة أخرى.
و هذا كله خاضع لعامل مهم جدا، ألا و هو الوقت و الغرينتا المتمركزة في قلب كل إنسان، و  تحرك خيوط مشاعره لتصنع منه ذاتا تغلف جوهرا يتصل في الكثير من الأحيان بروافد. تلك التي تضايق البشر في لحظات معينة، وفق ظروف متنوعة بتنوع المواقف و المؤثرات. لذا بكل اختصار ما هي الذات؟ ولماذا و بماذا تتأثر سلبا أو إيجابا؟
 إن الذات البشرية عبارة عن نهر متقلب المزاج، قد يكون هادئا شتاء، و متدفقا صيفا، أو العكس. و هذا تحت سيطرة العوامل المؤثرة عليه، و المستقلة عنه، بتوجيه من الحاسم الذي يمثله الوقت و الزمن.
و عليه فإن الذات البشرية، و وفق بنياتها المائعة و المتحولة. قد تأخذ أشكالا لا بأس بها في نفس الوقت المستنسخ، عبر مدة الأيام. و هي الباقية في إطار نفس القالب البيولوجي أو الهيكلي الذي لا يتغيّر كثيرا، إلا على عتبة الكبر أو الهرم الذي لا دواء له.
فنجد أن الذات قد تُعصَم اليوم من أخطاء وقعت فيها البارحة، في نفس التوقيت و الظروف و المكان و الأرضية الانطلاقية. لكنها تصل إلى نتيجتيْن مختلفتيْن تماما، هذا التبديل حير الدارسين لها. فمنهم من أدخله ضمن نطاق التفسير اللاهوتي الأسطوري، بأنّ هناك قوى خفية تحرك هذه الذات وفق إرادتها و مشيئتها على سبيل الجزاء. لكننا نجد فريقا آخر ينادي بأن هذه الذات إن كانت مسيّرة و مسَيطر عليها، فأين يكمن الخير و الشر، أو الانزعاج و الارتياح و على من تقع المسؤولية و من يضمن الحرية؟
إنها ذات تمتد داخل حيز خاص، و تتكيف مع كل أشكال العمران المحيط بها، على سبيل الإيجاب بالمزاج الطيّب و الرغبة الجامحة، إضافة إلى التعقل و تسيير الأهداف و المصالح من حيث المبدأ، أو على سبيل السلب بمشاعر خبيثة و الاندفاع المتمرد على منطق التفكير، و الممزوج بالخوف من ضياع الفرص التي تبدوا أنها لا تأتي سوى مرة في العمر.
إنها الكائنات البشرية في مسيرتهم الحياتية الاجتماعية منها و النفسية، و التي تمرّ على محطات عديدة تكون انطلاقتها الإخصاب و نهايتها الحساب الذي يفضي إلى الثواب و العقاب، و تتوسطها محطات عبور قد تبيض أعمالا خالدة و مخلدة، أو تسوّد بجرائم متعمدة.
أحيانا يضع الإنسان مصيره بين يديْه، فتعبث به اليد اليسرى احتقارا و شتما، بينما تحن على نفس المصير اليد اليمنى إعجابا و تشجيعا و حماسا، فيقع صانع القرار بين كلمات مُعَذَّبٍ، إمّا يقول الحقيقة فيخسر المجد، و يربح الدنيا و الرفاهية الزائلة، و إمّا يكذب فيجني الذكرى و يخسر نبضات قلبه المتعب أصلا من السير في طريق لا يعرف نهايته، و لا يستطيع العودة إلى بدايته.
هذا هو الإنسان الذي قمع العراقيل، و جعل الأقوال الهدامة تسحق تحت أرجل الفيل، فلكل إنسان ذات تحركه على حسب هواها، و شهوتها، لكن عليه كبحها بقيود العلم، و إن لم نقل المعرفة فإننا نقول التعرف على ما يجهله هذا الكائن المقدس قداسة عمامة جدّي رحمه الله.
و هنا نحن نحرص على صناعة الذات لأن كل ذات عاقلة هي إضافة للجماعة المشتركة في صناعة ازدهار الحياة، فاجتماع ذوات يشكل اجتماع أناة، و يشكل جماعة في حده الأدنى و مجتمع في حده الأوسط، وشعبا حيا في حده الأسمى.
إن العظمة لا تعطى، وإنما تبنى، كالفنادق الفخمة التي لا تُصنف بديكوراتها، و إنما بنوعية خدماتها و علو كعبها الاستيعابي، و المخطئ كل الخطأ من يعتقد أن العلم و المعرفة محصورة أو محدودة، فقد أثبتت الأيام و حكاياتها أنّ العِلم شاطئ بحره لم تدركه الأبصار بعد، و رغم ذلك استطاعت الذات البشرية التأقلم معه. و احتوته، و مازالت تطالب بالمزيد.
تلك الذات التي عاشت في غرب الأرض، و تنفست هواء الأمازون المنعش، أو أكسجين الألب. أما الذات المكتوية بنار الصحراء، أو المرتخية تحت ظل الواحات مازالت ترفض نور العِلم، مما ولّد عندها قناعة الاستسلام و التي انعكست على ركيزتها بذلك الوهن، الذي أصاب عصب الذاكرة. ممّا جعل الذات الشرقية تعود إلى مخلفات الماضي العاجز و تابعة دون أن تدري لذات غربية آمنت بمستقبلها، فعملت لأجل نحته بأدوات تخلى عنها مالكوها الأصليين و حوّلوها إلى أشواك في أحلاقهم.
يـا ذات الشرق استفيقي و استيقظي، و لا تكوني كما قال جبران خليل جبران:{ بينما كنت يوما أدفن ذاتا من ذواتي الميتة إذ وقف بي حفار القبور،(...) و قال لي:"إنّ سواك يأتي باكيا و يعود باكيا، أما أنت فإنك تأتي ضاحكا و ترجع ضاحكا".}(1)                        
 
شرح المصطلحات الخاصة:
الغرينتا: الدافع و الحافز الملهم لصاحبه.
 
صبرة، تلمسان، الجزائر.
.                                                                                .
[1].جبران خليل جبران، المجنون، المكتبة العصرية للطباعة و النشر بيروت_لبنان، ص:19.

Commenting now closed

Make a free website with emyspot.com - Report abuse