أونْشولْد القوّة

أونْشولْد القوّة

التلميذ: مــزوار محمد سعيد

 

إن القوة ضرورية في كل الأحيان، حتى يستتبّ الأمر في موقعه، و تسير دفة الزمان على خط الزمن، و يأخذ كل ذا حق حقه، و لينجلي الليل و يظهر الفجر بضيائه.

فما هي القوة، و أين يكمن تأثيرها؟

القوة هي مجموعة أجزاء مؤثرة تأخذ اتجاه ما، و هي مبنية على سببيْن: أوّلهما الغاية، و ثانيهما الحافز، مصاغان في أحد جوانب التركيز، و الرغبة، التي قد تكون قصد التأثير، فهي قوة هجومية، أو لقصد ردّ التأثير، فهي قوة دفاعية ردعية.

و عليه فكثير من ينظر إلى أحد الأفراد على أنه قويّ، فإما للهيبة منه، على سبيل الوقار. أو للخوف منه، على سبيل الرهبة.

و لو نظرنا في ميدان الحياة، لوجدنا أنّ القوة منبوذة في ظروف التغليب، و التسيُّب، أو الضعف و عدم القدرة على المواجهة. بينما هي محببة عند رد ما يعتقد أنّه جائر، أو رد مناصب إلى مناصبها. و ممزوجة بالخير مع السمعة الراقية، أو بالشر مع دنو المرتبة الاجتماعية.

فالأقوياء أبطال كما قال أغممنون ملك مسينا (3200 ق م): " السلام للجبناء، و النساء، و الضعفاء. الإمبراطوريات تصنع بالحروب." و عليه فإن أمعنا النظر في قول هذا الملك، لحتما سيتبيّن لنا مدى وقع تأثير القوة على مستوى مجرى التاريخ، فهذا الأخير يشهد بصدق، أنّ الحروب المدمّرة لم ينتصر فيها إلاّ الأقوياء، و أنّ التأريخ نفسه، لا يقرن إلاّ بوقع السيوف، و أصوات البنادق، و زئير الرصاص و القنابل.

آه لو يتخيل الإنسان يوما، أنه إلى جانب جذع شجرة إحدى الغابات الكثيفة، و هو يحمل سلاحه الملقم، و يسمع رذاذ أصوات الرصاص، و هو يخترق الجبال. و كل هذا يبدوا هيّنا، أمام الثواني التي تمرّ و هذا الإنسان ينتظر أجله، بين الفينة و الأخرى، حتى يطلع عليه فجر اليوم التالي، أين يكون كابوس يقظة الليلة المتوارية قد انقضى، فيحمد هذا الجندي الله على بقائه حيا، و هو يلملم أسلحة أصدقاء الوغى، الذين أمسوا أحياء، و أصبحوا أموات. كل هذا هو عبارة عن صراع، وجد منذ وجود المخلوق المقدس. إنه تصادم للقوى، التي تصنع الحياة على أنقاض الموت. قوى ترهب، و تزعج، و تقضي على أجزاء من الإنسانية، للحفاظ على أجزاء أخرى.

فالقوة مهما كانت، فهي سوط في يد جلاّد، لا يعرف للرحمة طريقا، فحتى بين الأفراد نلمس زبر الشظايا الناتجة عن صدام ليس بالهيّن، بين قوى قد تتعادل في الشدة، لكن يجب عليها أن لا تتوازن في النتيجة. و على هذا الأساس ظهر الصديق، و العدو. و صنف الضعيف، و القوي. و حتى و لو عبثنا بالمصطلحات! إلاّ أننا في النهاية نركن إلى حقيقة واحدة، و هي أنّ للقوي موقع، لا بأس به في سلم رفاهية الشعوب و الأمم. لكنّ الضعيف حبل نجاته قصير، و هو أقرب إلى الهاوية من شفاها. هذه هي الإستراتجية التي تسمى بثقافة الغاب.

فالأسد ملك بأسلحته، و أنيابه الفتاكة. و الغزال ضعيف بانعدام تأثيره، و لطفه، و لولا سرعته لما بقي على صقع الحياة يدبّ.

و نجد أيضا أنّ هناك من يسعى إلى اكتساب القوة، و تغيير موازينها، و هو الهاضم لكل ما سبق من أفكار. و هذا السعي قد تتعدد أوجهه، و تختلف على حسب الساعي و بيئته، فهناك القويّ بالمال كما يقول المَثلُ الانجليزي: "إذا تكلم المال سكت العالم"، و هناك القوي بالسلاح المادي، و هذا ما يشهده عصرنا من تنافس محموم حول الإعداد و التصنيع لوسائل التدمير الشامل منها و الجزئي، أو الكيماوي و البيولوجي...و غيرها...كما نجد أيضا سلاح الضغوطات و المواجهات النفسية التي تستهدف الروح لا الجسد و هو انقياد الشعوب لامتلاك قوّة العِلم التي تستهدف الماضي، و تصنع الحاضر، و تستبشر بجمال المستقبَل.

إنه السلاح الفتاك، الذي تقام على ضفافه كل الأسلحة الأخرى. فبالعِلم وجد السيف للهجوم، و به وجد الدرع للحماية، و بالعِلم وجدت الدبابة، و به وجدت المضادات، و منه فإن سمّ ضعفنا انصرافنا عنه، و ترياق قوتنا عودتنا إليه.

فلا يجب أن نبقى ضعفاء، لأن ضعفنا بيّن، و أساسه فقدنا الإمكان في القلوب. فلو آمنا بإمكانية استقوائنا، لصرنا الأقوى. لأن القوي قويّ في عقله، و وعيه بالمتغيرات. لا في سلاحه، و قدرته التدميرية.

فمشكلة الضعيف ليست في ضعفه، وإنما هي تتعدد، و تتوزع على عدة عوامل، قد تأخذ شكل عدم إدراكه أنّه ضعيف أصلا، و قد تأخذ شكل عدم مقدرته على مواكبة عصره لتشبثه ببطولات الماضي، و قد تكون عدم محاولته اكتساب القوة لأنّه اعتاد على ضعفه و وهنه، و قد ترجع أيضا إلى فقدان التحكم في قوته. لدى يجب إرفاق القوة باللين كضديْن واجب تلازمهما لأنهما مكملان لبعضهما، فاللين بدون قوة يعتبر ضعفا، و القوة بدون لين تعتبر ظلما، كما قال الفاروق عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: "... بلغني أنّ الناس هابوا شدتي، و خافوا غلظتي و قالوا: قد كان عمر يشتدّ علينا و رسول الله صلى الله عليه و سلم بين أظهرنا، ثم اشتدّ و أبا بكر والينا دونه، فكيف  و قد صارت الأمور إليه؟ ... ثم إني قد وليت أموركم أيها الناس، فاعلموا أنّ تلك الشدّة قد أضعفت، و لكنها إنما تكون على أهل الظلم و التعدي على المسلمين: فأما السلامة و الدين و القصد، فأنا أَلْـيَنُ لهم من بعض لبعض..."[1].

 

            

صبرة، تـلمسان، الجزائر.

.                                                                        .

[1] : عباس محمود العقاد، "عبقرية عمر"، دار النجاح للكتاب _الجزائر_، ص 23.

 

Commenting now closed

Make a free website with emyspot.com - Report abuse