فـاطستينا

 
فــاطستينــا
 

 
 
إننا اليوم على أعتاب زمن تتحول فيه الموجودات و المشاعـر، و تـزول فيه الحدود و تـفتح فيه المعابر، و تصدح المنابر، وتضيع الكلمات من الكاتب و الشاعر.
و إننا هنا نقف على منصة مشكلة بدأت تتضح جليا. مشكلة أصلها عربي، و اتجاهها عـربي، و مكوناتها عربية. فشغلت الروح و الجسد و التفكـير. هذه المشكلة تتمثل أساسا في الشباب العربي، و لنكن أدق في الفتيات العربيات. فلا يختلف عقلان أن زماننا أفرز عدة أشكال للإحباط، و بدرجات متـفاوتة. كان جوهره أن الغرب أصبح سببا لوجود العرب، بل تعـدوا ذلك إلى أبعد الحدود، و هنا كان لزاما علينا أخذ الفتيات كمجال للمقارنة، لعلنا نصل إلى علة العلل الإحباطية العربية.
فلو سألنا الشاب العربي: هل تـفضل أن تكون زوجتك فاطمة العربية أم كرستينا الأوربية؟
فإنه سيجيـبك بدون تردد، ولا حسابات: طبعا كرستينا.
وهنا نبلغ مبلغ السؤال التالي: مـا الفرق بين فــاطمة و كرستينـــا؟
إن فاطمة فتاة ولدت في بيئة عربية، علمها والداها كيف تكون مسلمة أو تتظاهر بالإسلام على أقل تقدير. و بمرور الزمن تعلمت كيف تخلص لنفسها فقط، و أن تتعايش مع ما يتطلبه شخصها من محسوس، قد يتضح في المال و الجواهر. و تسعى إلى إقامة بيت مستقل، لا يهمها إن كان مستقرا. فقد تربت فاطمة و عينها على زوج صالح الجيب، و خال من العيب، و الأهم فيه أن يكون إما غاضا للطرف عن أفعالها، أو غير متفطن لهذه الأفعال أصلا. و بهذا فإن فاطمة أصبحت تبحث عن رجل تركي لتعيش حياة مكسيكية خالصة، فهي غير مقتنعة بالمبادئ الأساسية، و حياتها غير واضحة. حتى أنها في نفسها لا تعرف أي الطرق التي تؤدي إلى أهدافها المتحركة، بل إنها لا تعرف حتى لماذا تعيش؟ أو كيف تعيش؟
و لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ففاطمة فقدت الحياة، فمن أين لها أن تعطي الحياة؟ و فقدت الحب، فكيف لنا أن نلمس حبها؟ و فقدت الكثير من صفاتها الإنسانية، حتى أضحت تشك حتى في جنسها، و لونها، و مقوماتها الوجودية. و هنا أحسن وصف لها، هو أنها مسكينة. أجل فاطمة مسكينة، محتاجة إلى من يعيل وعيها قبل حالها، و محتاجة لمن يجيبها قبل أن يسألها. و ما ينطبق على فاطمة ينطبق على الكثير من فتيات العرب، في هذا الزمن الغادر الذي لم نحسن التعامل معه، فأصابنا في منبع حياتنا، و جعلنا أشباه شباب، لا نجيد إلا التسكع و السخرية من أنفسنا قبل غيرنا.
و في المقابل نجد كرستينا بنت غربية، ولدت بأوربا، فاكتسبت الجنسية الأوربية، وذلك أهلها لاكتساب الحقوق المدنية، تربت على أسس إنسانية. جعلتها تقف على نفس المسافة من الدين، و السلطة و المال، مما جعل كرستينا تنبذهم جميعا، فقد أخذت نصيبها، و ما تحتاج إليه لرسم مستقبلها، و حياتها العلمية و العملية. فالإنسانية لدى كرستينا هي كل شيء، فهي الزوج، و الابن، و الأب، وكل الأفراد و الأحبة، و هي كل الجمادات من منزل، و سيارة و راتب و... غيرها ...
مما أوجد مزاوجة غريبة لدى نفسية كرستينا، بين الإحساس و المحسوس. فنتج عن ذلك كله إنسانة قبل أن تـُحَب هي تحب، و قبل أن تعيش هي تتعايش، و قبل أن تضع الأهداف، تصير هدفا. فمن لا يجد العزاء في أحضان كرستينا الإنسانة قبل كل شيء؟
 
و عليه فالفرق واضحٌ للعقول قبل العيون، بين فاطمة و كرستينا، و كـم حزنا كل الحزن حين وضعنا هذه المقارنة التي أدمت القلب، و أسالت الدمع، و وخزت العقل و الوجدان.
إن فاطمة دماؤها عربية، فهي حسب عصبية ابن خلدون من دائرة عمراننا، متنقلة بين أجيالها الثلاث، و هي حسب أغست كونت الاستاتيكا التي تحفظ النظام و تترأس القواعد، و حسب ايميل دوركايم هي التضامن الآلي الذي يعشق القداسة، و يتبرك بها، و بعيون و فكر ماكس فيبر فاطمة هي ذلك الفعل الاجتماعي الوجداني الذي يعكس سلطة الشباب الكاريزمية.
كل هذا هي فاطمة التي نبغي، و الأم التي نحفظ جميلها فوق رؤوسنا، و الأخت التي نفخر بها. فنحن نريد فاطمة الأم حنونة حنية الساحرة على ألكسندر الأكبر، و عطوفة عطف زوجة فرعون على سيدنا موسى، تحب أطفالها حبا صادقا يدفعها لإرشادهم إلى طريقة العيش المثلى، فتربيهم على الصفاء، و الوفاء. و نريد فاطمة الأخت حريصة على سلامة أخوتها حرص هكتور على أخيه بارس، و فخورة بعائلتها فخر الآنسة تشلسي بعائلة كلينتون. كما أننا نريد فاطمة الزوجة قادرة على حمل أمانة بعلها، و المتمثلة في الحفاظ على عرضه، و ماله، و ولده في غيابه، و طاعته بالمعروف في حضوره، كسيدة قريش خديجة بنت خويلد أم المسلمين رضي الله عنها و أرضاها. فلو تحققت كل هذه الصفات في فاطمة فلتذهب كرستينا إلى الجحيم.
نحن نريد عربيات لا أعربيات، و ما أحوجنا إليهن ليسترددن دورهن، و ينهين حالة عدم الثقة بينهن و بين الشباب العربي، فحياتنا تدور وكأننا في طلاق جماعي بين الشبان و الشابات العرب، طلاق معنوي قبل تجسده على أرض الواقع. مما أنتج هروبا جماعيا لهذا الشباب إلى الخيال، بمتابعتهم لفتات الأوربيات التي تطل عليهم عبر نوافذهم الافتراضية، منمين بذلك الهوة بين العملي السليم، و الوهمي السقيم.
 و في الأخير فما يمكنني قوله، هو أن فاطمة تبقى فاطمة، و كرستينا تظل كرستينا. و شباب العرب هو الذي يجب عليه التغير باتجاه الأنسنة الصريحة و الحقيقية.
 
 
ملاحظة:
أنا مــزوار محمد سعيد أنوه أن الإسميـْن الموجوديـْن في هذه الأسطر لا يـُقصد بهما أي إنسان، و إنما تم ذكرهما لإعطاء الصبغة الحسية للأفكار العقلية، و لتوضيح المعنى و فقط.
و أنا مــزوار محمد سعيد أعـتذر مسبقا لحاملي اسم فاطمة أو كرستينا، و أرجوا أن يـُقبل اعتذاري.
 
صبرة ، تلمسان ، الجزائر.
mezouar_s@yahoo.fr
 

Commenting now closed

Make a free website with emyspot.com - Report abuse