وقتاش و علاش و كيفاش

وقتاش و علاش و كيفاش

وقتاش و علاش و كيفاش

   

لقد أحببتهم، أحببت عاداتهم، و طريقتهم في العيش، إنهم يقتربون مني كلما عرفتهم أكثر، إنهم بالنسبة إلي إنسانيين ملتزمين بإنسانيتهم إلى أبعد الحدود، قوميون يحبون بلادهم، و التي تمتد من مشارق الأرض إلى مغاربها، و رغم هذا إنها صغيرة بالنسبة لأحلامهم الكبيرة، فيا لهم من بشر يدرسون الإنسانية دروس الحياة، و يا لهم من قوم فهموا العيش حق الفهم، فمضوا في طريق البشرية السمحة، و لم يبخلوا على أي كان في أي وقت بأيّ شيء.

من هؤلاء؟ و لماذا لسنا منهم نحن عرب الألفية الجديدة؟

إنهم يستيقظون باكرا، يستحمون، يأخذون فطورا صباحيا خفيفا، ثمّ ينصرفون إلى مجالاتهم اليومية المتنوعة. و هم حريصون كل الحرص على رفع راية الإتقان و التميّز في كلّ أعمالهم، و إن لم يستطيعوا ذلك فإنهم أتقنوا جلها على الإطلاق، بل تعدوا هذا و ذاك حين أطلقوا العنان لأقوام أخرى كي تتمكن من مشاركتهم آلامهم و دموعهم قبل أمانيهم و ابتساماتهم، إنهم يقتربون كثيرا من الملائكة، يحسون و يصدرون أحاسيسهم، و كأنهم خلقوا لنشر الفضائل في عالم المساوئ و الشرور.

يرفعون شعار "الحرية، العدالة و السعي وراء السعادة"، و يؤمنون بانجازها، متبعين الانجاز بآخر أحسن منه، حتى وصلوا في فترات ليست بالقليلة إلى الإعجاز، وحيّروا شعوبا بأكملها، فراح جزءا من الأمم يحاول خطو خطواتهم، و جزء آخر يحاول تقليدهم على الأقل، دون أن ننسى من حسدهم و كرههم بسبب نجاحاتهم. فقد دخلوا ساحة المجد من أوسع أبوابها، و هم الآن يسطّرون نصوص الفخر و الاعتزاز كما أرادوا، و هنا نتذكر العرب، أي عرب الألفية الجديدة.

فلو تأملنا في شجيات هذه الشريحة لوجدناها شرذمة فقراء رغم غناهم، أناس لا يحبون العمل، يسعون للرفاهية على حساب الآخرين، مجرّدين من الأحاسيس، حتى أصبح التعبير عنها جرم مشهود له بالعقاب، يحاولون إمساك الزمن بشعرة معاوية، قادمون من مخلفات حضارة، و سائرون نحو مستقبل متحرك، لا يعلمون و لا يريدون أن يتعلموا و لا يفكرون في جدوى التعلم و العلم، يحفظون الشعارات و الحِكم، و لا يلتزمون بها أو يطبقونها. نومهم كسيرهم، نهارهم كليلهم و حياتهم كموتهم، بل الموت في كثير من الأحيان أرحم لهم. هناك من يصنفهم من الدرجة الثانية، و هناك من يضعهم في الدرك الأخير، لكنني أصنفهم في خانة المخلوقات المجهولة، و هذا الوصف قد يفسر و يلخص الكثير في الوقت ذاته.

و لكم يحيّرني عندما أجد من يسمّون أنفسهم بالنخبة، يتحدثون عن بهاء المستقبل العربيّ، و يتركون الحاضر يمرّ مرور الكرام، هذا الحاضر الذي كان في الماضي القريب مستقبلا مزدهرا، في نظر السابقين من هؤلاء النخبة.

فيا لها من عجائب الدنيا، و ضحك على الذقون، وهنا يستيقظ الرجل الميّت، يلبس ثيابه و يخرج إلى الشارع مّرة أخرى. و بينما هو يمرّ على جحافل الناس، سمع صوتا صادرا عن الجمع الغفير، صوت ليس بالغريب، فهذه الرنة كان قد سمعها حين مرّ بالقرية العربية، فهي نغمة حزينة تترجم مدى ألم مُصدرها، فتوقظ في فكر هذا الرجل ذكريات تلك القرية الكئيبة، إنها بقعة توقف بها الوقت، و هناك من يقول أنّ وقتها حائر بين التقدم إلى الأمام، أو الرجوع إلى الخلف، فهو يمضي حينا، و يعود أدراجه أحيانا أخرى.

كما أنّ الرجل الميّت تذكر بيوت ذلك المكان الموحش، و المزخرفة برسوم غريبة، و روائح المسك الخالي من الكحول. دون أن تغفل ذاكرته عن سكانها، الذين يبدون للوهلة الأولى أنهم أحياء.

فنساؤها يرتدين غطاء على الرأس، بينما عوراتهنّ ظاهرة للعيان، يتحدثن حول أشياء لا مكان لها في معتقداتهم، و لا عملهم، و لكنهن يحفظنها قصد التظاهر بصفات ليست بصفاتهنّ، أمّا رجالها فهم غير موجودين على الرغم من وجودهم، إنهم أشباح بالليل، و أعمدة أكلها السوس بالنهار.

و لكنّ الرجل الميّت أحبهم عكس إقامته القصيرة بينهم، أحبهم لأنه علم بأنّهم ضحايا أنفسهم، أحبهم لأنّ الحبّ أقلّ ما يمكن أن يتصدّق به عليهم. و للأمانة فإنّ الرجل الميّت قد أحبّ العرب الجدد حبّ مشفق، حبّ إنسان غلبته إنسانيته، و هو يرى ما آل إليه أمر عرب الألفية الجديدة.

حتى أنّ الرجل الميّت اشتاق إليهم بمجرد أن شبه الصوت الحزين بصوت القرية العربية الكئيبة، و هنا يتوقف الرجل الميّت على السير في وجهته، و يجلس متأملا على كرسيّ الساحة العامة، و هو يراقب الأشجار من حوله، و لكنه يأخذ في تأمله وقتا طويلا، و كعادته هاهو عرقه ينساب على جبينه من شدّة شعوره بالرأفة و الذنب، فيتأسف على مأساة لا دخل له فيها، و يشكوا إلى أشجار الحديقة عدم قدرته مساعدة عرب القرية العربية، ثمّ ينهض و يكمل مسيره متحديا صداعه الذي عاوده من شدّة التفكير الغير مجدي.

إنها حالهم الشقية، إنّ هؤلاء العرب مازالوا هكذا إلى اليوم، و لا يبدوا أنهم سيتغيرون يوما، فهم يتركون السيئ ليتعلقوا بالأسوأ، يملون الانتظار ليحبوا طريقة الانتظار، فالحيوان لا يلد إلاّ حيوانا من جنسه، كذلك هذه المخلوقات المجهولة الهوية و المستقبل.

 

السيد: مزوار محمد سعيد

 


Commenting now closed

Make a free website with emyspot.com - Report abuse