من سيلاحظ؟

 

من سيلاحظ؟

 

سؤال بسيط يحتاج إلى إجابة صريحة، واضحة، بعد إيضاحه للمتلقي له و الذي وصله في غلاف معبر، و معتبر جدا.

هذا السؤال يعني الكثير، و يتفرع إلى عدة أسئلة، هي في حد ذاتها عدة أجزاء منه. تتراص لتجعل منه وحدة عضوية تدل على غايتها، باستدراج السمع ناحية عدة معاني، لكن يبقي دائرة الفهم ضمن نطاق متساوي البعد من نقطة الوصول إلى إجمالية المعنى المتذوق من قبل المجيب، إما على رواق الإيعاز، و الإدراك السليم، و إما على ناحية الإجبار و الإدراك المغصوب. و منه من يلاحظ؟ ينقسم إلى قسمين رئيسيين هما: من؟ و يلاحظ؟

فلو تأملنا في كلمة من؟ لوجدناه لغويا حرفا يفيد الاستفهام، أي يحدد للجملة قالبا عاما يحتوي في طياته أنساق، و مكونات عناصره اللغوية. و الذي هو مزيج يرغم المستقبل له، و يحفزه على أقل تقدير، لإبداء رأي أو تكوين إجابة ليست بالضرورة في مصب الموضوع، أو تخدمه على نحو ما. و إنما تمثل رد فعل عن منبه نابع من حرف من؟ و التي توجه تلك الإجابة إلى الدلالة آليا على اسم شخص، أو إنسان، أو كائن بشري، على وجه التحديد. لدى استعملها النبطيون العرب، من أجل الاستفهام على موقع الفاعل في الجملة الفعلية العادية منها، و المركبة. هذا من ناحية من؟ أما من جهة تلاحظ؟  فهي كلمة مكونة من خمسة أحرف، تجتمع في شكل متصل، و متحد، لإعطاء المراد لها. و الذي هو عبارة عن كوكتال من الأفكار، و الدلالات المختلفة، باختلاف موقع، و اتجاه، و غاية ورود الموضوع، و إلزاميته على نحو استدلالي، يكره المجيب عليه بطريقة ضمنية خالية من عيوب الاستنطاق الفاضح.

و بجمع الحرف "من" و كلمة "تلاحظ" ينتج عن ذلك سؤالا هو على النحو التالــي: من يلاحظ؟

و قبل الشروع في استصدار إجابات عن هذا السؤال، كان يجدر بنا جمع دلالات السؤال أولا، و تحليلها. و هذا يقودنا إلى طرح أسئلة فرعية تحمل في سويداء قلبها أجزاء توضيحية لعلنا بهذا نصل إلى رد شاف.

و بالاعتماد على ما سبق فـ"من" دورها المنوط بها واضح، و هي جعل الجواب ينحصر في شخص بعينه. أما "تلاحظ" هي من تجمع خيوط المعاني، لتصنع منها حبلا يوصل إلى قمة هرم الإجابة، وذلك لأن مصدرها الملاحظة. و لهذه الأخيرة عدة أوجه، فقد تكون ملاحظة علمية، قائمة على إمعان النظر في الظواهر، قصد كشف سيرناها، و التعجيل بالتحكم فيها، بطريقة ايجابية، تعود بالخير على البشرية. و قد تكون ملاحظة عامية، حول موضوع ما، مما يكسبها طابعا اجتماعيا صرفا، في جوهره محاولة للتسيد، أو التحكم بمرجعيات أمور، تبدوا مصدر سلطة. و نلمس أيضا الملاحظة العابرة، و التي تكون ظرفية بظرفية المواقف، و المهمات... و غيرها من الملاحظات التي تتعدد، و تتنوع، و تقسم على المجالات، و الميادين، و المواضيع.

هذا كله لا يمكن فهمه قبل القرن الواحد والعشرين، فلكل زمن خصائصه، و مميزاته. لكن تبقى أحداث هذا القرن هي الأغرب، و الأعجب، و الأشمل على الإطلاق. فنحن كقوم يعيش وسط هذه المتاهة، التي تتعرج بتعرج الدقائق، و الثواني لم يـعد حتى اسم "قوم" مناسب لنا. فقد تفككنا بشكل مدهش، فصار كل فرد يعيش حياته الخاصة، وفق مبادئه التي يؤمن بها وحده، و الذي هو واضعها، و السائر على هداها. فهذا التفكك و وفق صيرورته التاريخية، بدأ مع رنيه ديكارت، حين ناد بعدم ثبات المسلمات الرياضية، و دعا إلى التوافق على المتحرك لجعله ثابت في نظر المتفقين عليه.

هذا التفكك الذي وضع أساسه الفيلسوف رنيه، انتشر، و تعددت صوره حتى عم جميع مفاصل الحياة. بل و تعدى إلى أكثر من هذا، حين خرج عن السيطرة. فاتحا بذلك الباب على مجمل التخمينات، و التي تحولت إلى علم يدعى علم الاحتمالات.فكان للاحتمالات ما أرادت من نصيب في إدارة مستقبل الإنسان.

هذا الإنسان الذي أصبح يسيطر عليه الخوف الفوبـي، في كل تصرفاته، و أفكاره، و معطياته، و خططه، أصبح بهذا الضغط الهائل للمتغيرات التي تزداد سرعة. بين  المستقبل المجهول و الماضي المأسور.

 

و لـَـكِـــنْ:

 

من لاحظ؟ و من يلاحظ؟ و من سيلاحظ؟

من سيلاحظ أن الأرض التي نسكنها خربت بتبريرات واهية؟ و من سيلاحظ أن أحفادنا سيسكنون قببا من الفوضى؟ من سيلاحظ أننا استسلمنا للأسياد؟ و من سيلاحظ أننا بعنا أنفسنا و بإرادتنا؟

من سيلاحظ أننا صرنا طيورا خرساء؟  من سيلاحظ أننا صرنا آلات حمقاء؟ من و آلف من؟

و من لاحظ أننا نخنق أفكارنا قبل ولادتها؟ و من يلاحظ أننا تعبنا قبل العمل؟ و يلاحظ أننا أسرنا قبل تحررنا؟ و من يلاحظ أننا مغلوبون على أمرنا؟ و من يلاحظ أننا نتبع طريقا لا نهاية له؟ و من يلاحظ أننا أضعنا خاتم سليمان بين أكوام القش البالية؟ و من يلاحظ أننا نسير عكس التيار الحضاري؟

و من يلاحظ أننا صرنا أشباه بشر؟

و من يلعن من؟ و من يقاتل من؟ و من يقتل من؟ و من يتسيد على من؟؟؟؟؟؟

إضافة إلى هذا من لاحظ أن الجبن تملكنا و من لاحظ أن ثروتنا سرقت؟ و من لاحظ أن طريقنا فجرت؟ و من لاحظ أن أماناتنا استنسخت؟ و من لاحظ أن الأوطان صعقت؟ و من لاحظ أننا لا نلاحظ؟

كل هذه الاستفهامات و أكثر مازالت تحتاج إلى إجابة، قد تكون واحدة، و قد تتعدد. لكننا على يقين، أن لا مفر من الواقع، و الذي لا يصلح إلا بالفكر المفكـَر له، و الذي ينتج أفكار تفكير عميق. فلكل داء دواء، و هذا الدواء إن كان موجودا فعلى عاتقنا اكتشافه، و إن كان غير موجود فعلى أرقابنا اختراعه. فالمريض لا يشفى بالدعاء فقط، كذلك الأمم لا تمسك بعروة الحضارة بالخطابات، و الأماني. فلكل أمة رجالها، و الرجال نوعان: رجال أقوال يهيمون في مخيال الخيال الواسع، المخطئ، و الخاطئ. و رجال الأفعال، الذين يسطرون جمل التاريخ، في فقرات على قشور الصخر، اعتمادا على سيوفهم المعرفية.

فصحيح أن الكون لله وحده، و هو ضابطه، و منظمه، ليسير وفق مشيئته، جل، وعلى. و لكن الإنسان خليفة الخالق في الأرض. و من هنا ينصب على عاتق هذا المخلوق، التمركز في موقعه، و الذي يؤهله للقيادة، و الزعامة، التي تقبع في أحشائه، مما يجعلها هدف شرعي، و طبيعي، في مدار الحياة، و ثبات الفناء.

في الأخير ما يسعنا ذكره هو قول أحد القتلة، و هو على مشارف الموت، مخاطبا أحد أصدقائه، بمترو لوس أنجلس الأميركية، التي تضم أكثر من 17 مليون نسمة. فقال:"أحدهم استقل القطار ومات، من سيلاحظ!!!؟".

Commenting now closed

Make a free website with emyspot.com - Report abuse